دمشق-سانا
يرى خبراء اقتصاديون وماليون تحدثوا لـ سانا أن نجاح إجراءات ترشيد الإنفاق العام لا يقاس بحجم الخفض، بل بقدرتها على الحد من الهدر وحماية الخدمات الأساسية وتوجيه الموارد نحو الإنتاج والمشاريع ذات الأولوية.
ترشيد الإنفاق بين ضبط الموازنة وحماية التعافي
ويؤكد الخبير الاقتصادي الدكتور ياسر الحسين أن معالجة مشكلات المالية العامة لا تتحقق بمجرد خفض النفقات، بل بتحسين نوعيتها ورفع العائد الاقتصادي والاجتماعي لكل ليرة تنفقها الدولة، وخاصة في ظل تراجع القدرة الشرائية واتساع احتياجات إعادة الإعمار والخدمات الأساسية.
ويرى الخبير المالي والاقتصادي الدكتور عبد الحكيم المصري أن هذه الإجراءات تمثل اختباراً لإصلاح المالية العامة، يستدعي الانتقال من التوجيهات إلى خطة تنفيذية تنطلق من دراسة موازنة كل جهة، وتحديد النفقات الضرورية والمصروفات التي يمكن ضبطها دون إرباك العمل.
فيما يربط الخبير الاقتصادي جلال بكار أهمية الخطوة بمرحلة بناء المؤسسات والحوكمة الاقتصادية، معتبراً أن ترتيب الأولويات وفق الاحتياجات الفعلية يتيح توجيه حصة أكبر من الموارد إلى خدمات المواطنين، ويحد من الإنفاق المبالغ فيه على المظاهر والبروتوكولات.
وتتقاطع هذه الرؤى عند ضرورة إخضاع الإنفاق لمعيار الحاجة والنتيجة، مع اختلاف تقدير مخاطر التخفيضات؛ فبينما يرى بكار أن ترتيب الأولويات يضبط عمل الوزارات، يحذر الحسين من التخفيض الموحد الذي لا يميز بين نفقة ضرورية وأخرى قابلة للاستغناء.
ويوضح الحسين أن الترشيد يعني تحقيق نتائج أفضل بالموارد المتاحة، ويمكن تطبيقه دون تخفيض إجمالي الموازنة، عبر إزالة الهدر وإعادة تخصيص الأموال، بينما يرتبط التقشف عادة بخفض الإنفاق أو تقليص العجز، بما يستدعي الانتباه إلى أثره الاقتصادي والاجتماعي.
أين يمكن خفض الإنفاق دون إرباك العمل الحكومي؟
يقترح المصري تشكيل لجنة في كل وزارة، يمكن أن تضم ممثلين عن وزارة المالية والجهات الرقابية، لمراجعة المخصصات وتصنيفها بحسب الضرورة، وضبط مشتريات السيارات والأثاث، وترشيد نفقات القرطاسية والضيافة والوقود، مع ضمان استمرار العمل بصورة سليمة.
ويدعو الحسين إلى مراجعة العقود والمشتريات الحكومية، وتعزيز المنافسة والتحقق من الأسعار والكميات وجودة التنفيذ، وتوحيد المشتريات حيث يحقق ذلك شروطاً أفضل، على أن تستند مراجعة العقود مرتفعة التكلفة إلى تقييم قانوني وفني.
أما النفقات المرتبطة بالوفود والزيارات الرسمية، فيقترح بكار تنظيمها بقواعد واضحة تراعي متطلبات التعامل الدبلوماسي والحماية الفعلية، وتحدد احتياجات المسؤولين والموظفين، بما يمنع المبالغة في الإنفاق باسم البروتوكول ويحافظ في الوقت نفسه على مقتضيات العمل الرسمي.
ما الذي يجب أن يبقى خارج إجراءات التخفيض؟
يشدد المصري على حماية الإنفاق اللازم للصحة والتعليم والأمن، وصيانة محطات الكهرباء وشبكات المياه، مؤكداً أن ترشيد النفقات لا يعني تعطيل الجهات الحكومية أو إضعاف قدرتها على تقديم الخدمات.
ويضع الحسين الرواتب والأجور، والحماية الاجتماعية والصيانة الوقائية والاستثمارات المنتجة ضمن الأولويات الواجب حمايتها، موضحاً أن تأجيل إصلاح شبكة كهرباء أو طريق يخدم منطقة صناعية قد يوفر أموالاً آنياً، لكنه يرفع كلفة الإنتاج والنقل لاحقاً.
ولهذا يدعو إلى تقييم المشاريع وفق عائدها الاقتصادي وأثرها الاجتماعي وفرص العمل التي تدعمها وكلفة تأجيلها أو إلغائها، مع دراسة خاصة للمشاريع قيد التنفيذ، حتى لا يؤدي وقفها إلى خسارة الأموال التي أنفقت عليها سابقاً.
ويحذر الحسين أيضاً من اعتبار تأخير مستحقات الموردين والمتعهدين وفراً مالياً، لأن ذلك قد ينقل الضغوط من الموازنة إلى القطاع الخاص، ويسبب نقص السيولة وتراجع التشغيل وتأخر الإنجاز، بدلاً من معالجة كلفة الإنفاق أو جدواه.
كيف تقاس وفورات الإنفاق.. وبأي نتائج؟
يركز المصري على انتظام السجلات المالية وأوامر الصرف والدفع، والتزام الجهات باعتماداتها، وإرسال بيانات شهرية بالنفقات الفعلية عبر التسلسل الإداري إلى وزارة المالية، لتحديد الاحتياجات ومعالجة متطلبات المناقلات وتعديل الاعتمادات وفق الأصول.
وتلتقي هذه المتابعة مع دعوة الحسين إلى ربط المخصصات بالنتائج ونشر بيانات دورية عن تنفيذ الموازنة والوفورات، بحيث يقاس نجاح الترشيد بالخدمات المنجزة وكفاءتها، لا بمجرد انخفاض المبالغ المصروفة، مع تقييم الأثر على الإنتاج والتشغيل والفئات محدودة الدخل.
الوفورات بين دعم المواطن وتحفيز الإنتاج
يرى بكار إمكان توجيه الوفورات إلى دعم سلع أساسية وفئات تحتاج المساندة، ومنها الطلاب في مجال النقل، بما يجعل ضبط الإنفاق الإداري مدخلاً لتحسين استفادة المواطن من الموارد العامة.