دمشق-سانا
يشكل قطاع الشحن البري ركيزة أساسية في دعم النشاط الاقتصادي والتجاري في سوريا، نظراً لدوره المحوري في نقل البضائع وربط حلقات الإنتاج وسلاسل الإمداد، وتعمل وزارة النقل على تنفيذ إجراءات وبرامج تسهم في تحديث الأسطول وتحسين الخدمات، بالتوازي مع البحث عن حلول تمويلية ميسّرة تضمن تنفيذ عملية التجديد.

وأكد وزير النقل يعرب بدر في تصريح لمراسلة سانا اليوم الأحد، أن ملف تحديث أسطول الشحن البري في سوريا يمثل أحد أبرز التحديات التي تواجه القطاع في المرحلة الراهنة، في ظل التقادم الفني الذي تعاني منه نسبة كبيرة من الشاحنات العاملة، وارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة، الأمر الذي ينعكس بصورة مباشرة على كفاءة النقل وقدرة الناقل السوري على المنافسة على المستويين الإقليمي والدولي.
قروض ميسرة لتحديث أسطول الشاحنات
وأوضح الوزير بدر أن الوزارة تعمل على معالجة هذا الملف عبر مجموعة من المحاور المتوازية، تشمل التوسع في الأتمتة وتطوير خدمات النقل وتنظيم حركة البضائع، إلى جانب إعداد برامج عملية لتجديد أسطول الشاحنات، واستبدال المركبات القديمة بأخرى حديثة تتوافق مع المعايير الفنية والاقتصادية المعتمدة في دول المنطقة.
وأكد بدر أن الوزارة تعمل على إيجاد صيغ تمويل ميسّرة تتيح لأصحاب الشاحنات الحصول على قروض طويلة الأجل تتراوح بين خمس وعشر سنوات، بما يمكنهم من اقتناء شاحنات جديدة، وتسديد أقساطها من العائدات التشغيلية التي تحققها المركبات خلال فترة عملها، مشيراً إلى أن غالبية العاملين في القطاع من أصحاب الدخل المحدود.
تعزيز القدرة التنافسية للشاحنات السورية
ولفت وزير النقل إلى أن تحديث الأسطول لا يقتصر على تحسين ظروف عمل الناقلين فحسب، بل يهدف أيضاً إلى تعزيز الثقة الإقليمية بقطاع النقل السوري، ورفع مستويات السلامة والكفاءة التشغيلية، وخفض استهلاك الوقود والانبعاثات، بما يعزز القدرة التنافسية للشاحنات السورية مقارنة بالأساطيل العاملة في الدول المجاورة.
وفيما يتعلق بملف التمويل، أوضح الوزير أن أحد التحديات الرئيسية يتمثل في رغبة بعض الشركات الموردة للشاحنات بمنح التمويل، واستيفاء الأقساط بالدولار الأمريكي، وهو ما يثير إشكاليات مرتبطة بقدرة أصحاب الشاحنات على السداد، واستقرار التكاليف التشغيلية.
بدائل لتوفير التمويل
وأكد بدر أن الوزارة بالتعاون مع الجهات المالية والمصرفية المختصة، تدرس عدداً من البدائل التي تضمن توفير التمويل بشروط عادلة ومستقرة، بحيث تبقى الأقساط ضمن حدود الإمكانات الحقيقية للعاملين في القطاع، دون تحميلهم أعباء مالية إضافية قد تعيق عملية التحديث.
وشدد وزير النقل على أن تطوير أسطول الشحن السوري يشكل جزءاً أساسياً من استراتيجية النهوض بقطاع النقل ودعم التعافي الاقتصادي، وأن الحكومة تنظر إلى هذا القطاع باعتباره حلقة محورية في سلاسل الإمداد والتجارة والإنتاج، وأن أي استثمار في تحديثه سينعكس إيجاباً على مختلف القطاعات الاقتصادية في البلاد.
75% من الشاحنات بحاجة لاستبدال وتجديد

من جانبه، أوضح مدير مديرية تنظيم البضائع في وزارة النقل خالد كسحة في تصريح مماثل، أن برنامج تحديث أسطول الشحن البري يتطلب استثمارات تقدر بمليارات الدولارات، في ظل وجود أكثر من 42 ألف شاحنة عاملة في سوريا، يزيد وزنها الإجمالي على 11 طناً.
وأكد كسحة أن نحو 7 آلاف شاحنة حديثة فقط، ضمن أسطول الشاحنات وفق الوزن المذكور، أي ما يقارب 25 بالمئة من العدد الإجمالي، تشكل العمود الفقري لعمليات نقل البضائع إلى أسواق الجوار، ما يعني أنه 75 بالمئة من أسطول الشاحنات يحتاج إلى استبدال أو تجديد ضمن برنامج مرحلي يراعي الإمكانات المالية للناقلين وظروف السوق.
أكثر من 245 شاحنة فوق 3.5 أطنان
وأضاف كسحة: إن عدد الشاحنات العاملة التي يزيد وزنها الإجمالي على 3.5 أطنان، يبلغ أكثر من 245 شاحنة، مشيراً إلى أن نحو 62 بالمئة منها تجاوز عمرها 20 عاماً، في حين لا تتجاوز نسبة الشاحنات التي يقل عمرها عن عشر سنوات 1 بالمئة فقط من إجمالي الأسطول، أما نسبة الشاحنات التي يبلغ عمرها التشغيلي بين 11 – 20 عاماً نحو 37 بالمئة.
خطة مرحلية للتجديد خلال سبع سنوات
وكشف كسحة أن وزارة النقل تعمل على إعداد برنامج تدريجي لتحديث الأسطول الوطني للشاحنات، يستهدف استبدال ما لا يقل عن 10 بالمئة من الشاحنات سنوياً، بما يضمن استكمال عملية التجديد خلال فترة لا تتجاوز سبع سنوات، مشيراً إلى أن كلفة استبدال الشاحنات تعد مرتفعة نسبياً، إذ تتراوح أسعار الشاحنات الثقيلة الجديدة المصنعة في الصين التي تزن 11 طناً فما فوق، بين 60 و75 ألف دولار، بينما تتراوح أسعار الشاحنات الأوروبية والأمريكية من ذات الفئة بين 100 و150 ألف دولار.
وأشار كسحة إلى أن الحسابات التقديرية لاستبدال نحو 3300 شاحنة سنوياً في الصين لذات الفئة، بسعر وسطي 70 ألف دولار، تصل إلى نحو 231 مليون دولار، أما في حال الاعتماد على الشاحنات الأوروبية أو الأمريكية من الفئة ذاتها، فإن التكلفة التقديرية لاستبدال 3300 شاحنة، وفق سعر وسطي 125 ألف دولار، تبلغ نحو 412.5 مليون دولار.
وبيّن كسحة أن هذه الأرقام تبرز حجم التحدي التمويلي الذي يواجه برنامج تحديث الأسطول الوطني، وتؤكد أهمية إيجاد أدوات تمويل ميسرة ومستدامة تتيح للناقلين اقتناء شاحنات حديثة دون تحميلهم أعباء مالية تفوق قدراتهم، بما يضمن نجاح خطة التحديث، وتحقيق أهدافها الاقتصادية والتشغيلية.
خيارات مطروحة لتأمين التمويل اللازم
وتشمل الخيارات المطروحة لتأمين التمويل اللازم وفق كسحة، القروض الميسرة طويلة الأجل عبر المصارف العامة والخاصة، وشركات التمويل والتأجير التمويلي، وبرامج الشراكة مع موردي ووكلاء الشاحنات عبر البيع بالتقسيط أو التمويل المباشر، إضافة إلى إمكانية إحداث صندوق خاص لدعم وتمويل استبدال الشاحنات، والاستفادة من دور الجمعيات التعاونية لمالكي الشاحنات، والمساهمة من الجهات التنموية والاستثمارية الداعمة لمشروعات البنية اللوجستية والنقل.
وأكد كسحة أن تحديث الأسطول الوطني للشاحنات سيؤدي إلى خفض تكاليف التشغيل والصيانة واستهلاك الوقود، وتحسين موثوقية خدمات النقل ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، الأمر الذي سينعكس إيجاباً على تنافسية النقل السوري وحركة التجارة والإنتاج، واستقرار أجور النقل وأسعار السلع.
وشدد كسحة على أن مشروع تحديث الشاحنات يمثل استثماراً استراتيجياً في قطاع النقل البري وأحد المرتكزات الأساسية لدعم التعافي الاقتصادي، وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد السوري.
ورغم محدودية الإمكانات الحالية، بلغ حجم البضائع المنقولة داخلياً وخارجياً عبر الشاحنات السورية خلال الربع الأول من عام 2026 أكثر من 4.63 ملايين طن، بمعدل وسطي يناهز 50 ألف طن يومياً، ما يعكس الأهمية الحيوية لهذا القطاع، ودوره المحوري في دعم النشاط الاقتصادي والتجاري في البلاد.