واشنطن-بيشكيك-سانا
بين آشفيل الأمريكية وبيشكيك القيرغيزية، تجتمع طاولتان دوليتان تتقاطعان عند ملفات الاقتصاد العالمي، من النمو والديون والتجارة والطاقة إلى الممرات وآليات الدفع، في ظل اضطرابات جيوسياسية وتجارية تدفع الدول إلى إعادة حساباتها الاقتصادية.
ففي آشفيل بولاية نورث كارولاينا، يجتمع وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية في مجموعة العشرين، التي تضم 19 دولة إضافة إلى الاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي، لبحث النمو والاستقرار المالي والديون والتجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد.
وفي بيشكيك عاصمة قرغيزستان، يلتقي قادة منظمة شنغهاي للتعاون، التي تضم عشرة أعضاء، بينهم الصين وروسيا والهند وإيران وباكستان ودول آسيا الوسطى، لبحث التعاون السياسي والأمني والاقتصادي، في منظمة توسع دورها خلال السنوات الماضية ليشمل الطاقة والنقل والتجارة والربط الإقليمي.
العشرين.. النمو تحت ضغط الديون والتجارة
تأتي اجتماعات مجموعة العشرين وسط مستويات قياسية من الدين العالمي وضغوط على النمو والاستثمار، إلى جانب اضطرابات أسواق الطاقة والتوترات التجارية.
ووفقاً لرويترز، اقترب حجم الدين العالمي في وقت سابق من العام من 353 تريليون دولار، ما دفع مسؤولين أمريكيين إلى طرح تعزيز النمو كوسيلة للتخفيف من أعباء الديون.
وقال وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت: إن تحقيق النمو يمثل الطريق للخروج من أزمة الديون، فيما تبحث الاجتماعات تعزيز الاستثمار وسلاسل الإمداد وإعادة هيكلة ديون الدول النامية.
ويحضر الخلاف التجاري مع الصين بقوة في اجتماعات آشفيل، إذ قال بيسنت: إن الفائض التجاري الصيني يبلغ نحو 1.2 تريليون دولار، داعياً أعضاء مجموعة العشرين إلى إعادة النظر في شروط تجارتهم مع بكين، والضغط باتجاه تعزيز الاستهلاك المحلي الصيني بدلاً من الاعتماد الكبير على الصادرات.
وبحسب بيانات مكتب الإحصاء الأمريكي التي أوردتها رويترز، انخفض العجز التجاري الأمريكي مع الصين خلال الأشهر الستة الأولى من عام 2026 بنحو الثلث مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، إلى 73.9 مليار دولار، في وقت أدت فيه الرسوم الجمركية الأمريكية إلى إعادة توجيه جزء من تدفقات السلع الصينية نحو أسواق أخرى.
شنغهاي.. الطاقة والتجارة والعملات المحلية.
في بيشكيك، تتقدم ملفات الطاقة والتجارة والربط الإقليمي إلى جانب التعاون السياسي والأمني، مع امتلاك المنظمة قاعدة اقتصادية واسعة، إذ يمثل أعضاؤها أكثر من 40 بالمئة من سكان العالم ونحو ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وفق بيانات البنك الدولي.
ودعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دول المنظمة إلى مواصلة تنسيق سياساتها في قطاع الطاقة وفق استراتيجية التعاون حتى عام 2030، مشيراً إلى تجاوز حجم التبادل التجاري بين روسيا ودول المنظمة 400 مليار دولار خلال العام الماضي.
وفي الجانب المالي، قال بوتين: إن حصة العملات الوطنية في تسويات روسيا مع شركائها من دول المنظمة تجاوزت 98 بالمئة، في مؤشر على توسع استخدام العملات المحلية في بعض المعاملات التجارية.
لكن هذه الخطوات لا تعني وجود نظام مالي مشترك مكتمل داخل المنظمة، إذ تشير تقارير اقتصادية إلى استمرار الحاجة إلى تطوير آليات دفع ومؤسسات مالية قادرة على توسيع التجارة بين الأعضاء وتقليل تعرضها للعقوبات والمخاطر المرتبطة بالنظام المالي العالمي.
العقوبات والممرات.. الاقتصاد في قلب الجغرافيا السياسية
وتظهر تداعيات العقوبات بصورة مباشرة في تجارة الطاقة والشحن، إذ أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية في تموز عقوبات طالت شركات وناقلات مرتبطة بالنفط الإيراني، بينها كيانات تعمل في التأمين والخدمات البحرية، محذرة من مخاطر العقوبات على الأطراف الأجنبية التي تتعامل مع الجهات المدرجة على قوائمها.
وفي الوقت نفسه، أعادت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز الاهتمام بمسارات الطاقة البديلة، إذ تشير وكالة الطاقة الدولية إلى أن نحو 20 مليون برميل يومياً من النفط والمنتجات النفطية مرت عبر المضيق خلال عام 2025، مع محدودية خيارات تجاوزه، بينما أظهرت بيانات حركة الملاحة استمرار انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق، ما يعزز أهمية مسارات النقل البديلة.
وفي هذا السياق، يبرز الموقع الجغرافي لسوريا بين العراق وتركيا والبحر المتوسط، ولا سيما أن سوريا والعراق وقعا في تموز مذكرتي تفاهم لإعادة تأهيل وإحياء خط كركوك–بانياس النفطي، بما يمكن أن يعيد أحد مسارات نقل النفط إلى المتوسط، إلى جانب فرص تطوير النقل والخدمات اللوجستية والربط التجاري الإقليمي.
بين المسارين.. خيارات أكثر للنظام الاقتصادي العالمي
وتعكس عضوية الهند في مجموعة العشرين ومنظمة شنغهاي في آن واحد تداخل المصالح الاقتصادية، فهي تسعى إلى توسيع علاقاتها التجارية وممراتها مع آسيا الوسطى، وفي الوقت نفسه تحافظ على علاقات اقتصادية واسعة مع الولايات المتحدة والأسواق الغربية.
كما أن الصين، رغم توسيع علاقاتها التجارية مع روسيا وإيران ودول آسيا الوسطى، ترتبط بحجم كبير من التجارة والاستثمار مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج.
وبذلك، لا تقدم قمة شنغهاي بديلاً مالياً متكاملاً عن النظام العالمي القائم، كما لا تستطيع مجموعة العشرين تجاوز الخلافات التجارية والسياسية بين أعضائها، إلا أن اجتماعات آشفيل وبيشكيك تضع ملفات التجارة والطاقة والممرات وآليات الدفع في صدارة التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي.
ومع استمرار هذه التحولات، تكتسب الممرات والبنية التحتية والطاقة أهمية متزايدة في حركة التجارة، فيما تفتح عودة الانفتاح الاقتصادي لسوريا مجالاً للاستفادة من موقعها في الربط بين الأسواق الإقليمية والبحر المتوسط.