دمشق-سانا
أكد مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان فضل عبد الغني، أن إطلاق الهيئة الوطنية للمفقودين البرنامج الوطني “أثر” يمثل خطوة مهمة نحو توحيد بيانات المفقودين وبناء سجل وطني يدعم البحث عن مصيرهم والمساءلة.
وأوضح عبد الغني في تصريح لـ”سانا” أن البرنامج، الذي أطلق في 30 آب بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري، يتيح للعائلات تسجيل البلاغات عبر تطبيق “أثر” والموقع الإلكتروني، إلى جانب أرقام ومراكز مخصصة للمساعدة الفنية، على أن تتوسع الهيئة لاحقاً للوصول إلى الأسر التي لا تستطيع استخدام الوسائل الرقمية.
”أثر”.. توحيد البيانات وبناء سجل وطني
وأشار عبد الغني إلى أن أهمية البرنامج تكمن في قدرته على دمج البلاغات الجديدة مع البيانات المتراكمة لدى المنظمات السورية والدولية، وتحويلها من معلومات متفرقة إلى ملفات قابلة للتحقق والمتابعة، مع ضرورة ألا يؤدي التصنيف الأولي للحالة إلى استبعاد أي احتمال بشأن مصير المفقود.
وأوضح أن وصف الحالة قد يتغير مع ظهور معلومات جديدة، فقد تبدأ كفقدان مجهول الظروف ثم تتوافر لاحقاً معطيات تشير إلى اختفاء قسري أو اختطاف أو وفاة أو فقدان مرتبط بعمليات عسكرية، ما يجعل مرونة التصنيف ضرورية لأغراض البحث والمساءلة.
177021 مفقوداً منذ 2011
وبحسب أحدث حصيلة للشبكة السورية لحقوق الإنسان، الصادرة في 30 آب الماضي، لا يزال 177021 شخصاً، بينهم 4536 طفلاً و8984 سيدة، في عداد المختفين قسرياً في سوريا منذ آذار 2011، وأكدت الشبكة أن هذه الأرقام تمثل الحالات التي تمكنت من توثيقها، ما يرجح أن تكون الأعداد الفعلية أعلى.
من تسجيل البلاغ إلى مسار البحث
وشدد عبد الغني على ضرورة أن يرتبط كل بلاغ بخطة بحث تبدأ بالتحقق من الهوية والوقائع، ومطابقة المعلومات مع سجلات الاعتقال والاحتجاز والوفاة، والبحث في السجلات المدنية والقضائية والعسكرية والأمنية والطبية، إلى جانب تحليل مسارات الاعتقال ونقل المحتجزين ومقارنة الشهادات.
وأضاف، أن البحث ينبغي أن يشمل مواقع الدفن والرفات مجهولة الهوية، مع الاستعانة بالطب الشرعي ووسائل التعرف العلمي عند الحاجة، مؤكداً ضرورة التكامل بين البحث الإنساني والتحقيق الجنائي، وضرورة استمرار البحث عن المفقود بالتوازي مع إجراءات المساءلة وحماية الأدلة.
15 عاماً من الاختفاء.. أدلة تتراجع وتحديات تتراكم
وبيّن عبد الغني، أن ضخامة عدد الحالات وطول المدة الزمنية وتدهور الأدلة تمثل أبرز التحديات، إذ مضى على بعض حالات الاختفاء أكثر من 15 عاماً، ما أدى إلى وفاة شهود أو مغادرتهم البلاد، إضافة إلى فقدان أو نقل سجلات وتغير المؤسسات والمواقع.
ولفت إلى أن البيانات القديمة جمعت وفق نماذج ومعايير مختلفة، ما يجعل دمجها بحاجة إلى منهج دقيق للمطابقة وتقييم المصادر ودرجات الثقة، وليس مجرد جمع الملفات في قاعدة واحدة، مشيراً إلى أهمية تحليل الأنماط والسياقات المرتبطة بأماكن الاعتقال ومسارات نقل المحتجزين ومواقع الاحتجاز والدفن.
وفي ملف المقابر الجماعية والرفات، أكد أن العثور على موقع دفن لا يكفي وحده لتحديد مصير الضحايا، بل يتطلب حماية الموقع وتوثيقه واستخراج الرفات بواسطة مختصين والحفاظ على سلسلة الحيازة، إضافة إلى جمع العينات المرجعية وإجراء المطابقة العلمية.
حماية البيانات وضمان حقوق الأسر
وأكد عبد الغني، أن حماية البيانات تمثل شرطاً أساسياً لنجاح “أثر”، نظراً إلى أن البلاغات قد تتضمن معلومات شخصية وشهادات وأماكن دفن وبيانات طبية وجينية، إضافة إلى معلومات قد ترتبط بأشخاص يشتبه في مسؤوليتهم عن انتهاكات.
وشدد على ضرورة تأمين قواعد البيانات تقنياً، وتقييد الوصول إلى المعلومات الطبية والجينية واستخدامها في الأغراض المشروعة، إلى جانب حماية الضحايا والشهود ومقدمي المعلومات وفق مستوى المخاطر في كل حالة.
كما دعا إلى إدارة توقعات الأسر بوضوح، من خلال اطلاعها على مراحل معالجة البلاغ والإجراءات المتخذة والعقبات القائمة، وعدم افتراض وفاة المفقود لمجرد مرور فترة زمنية طويلة أو غياب معلومات جديدة.
كيف يقاس نجاح “أثر”؟
ورأى عبد الغني أن نجاح البرنامج يمكن قياسه بنسبة البلاغات التي حصلت على أرقام ملفات وإشعارات استلام، وجودة البيانات، ومعالجة حالات التكرار، ونسبة الملفات التي انتقلت من التسجيل إلى خطط بحث موثقة.
وتشمل المؤشرات أيضاً المدة الفاصلة بين تقديم البلاغ واتخاذ أول إجراء، وعدد طلبات الوصول إلى السجلات والمواقع ومدى الاستجابة لها، وعدد الحالات التي حُدد مصير أصحابها أو أماكن وجودهم بأدلة قابلة للتحقق، إضافة إلى عدد من عُثر عليهم أحياء والرفات التي حُددت هويتها علمياً، وأُعيدت إلى أسرها.
وختم عبد الغني بالتأكيد على أهمية نشر الهيئة الوطنية للمفقودين بيانات إجمالية دورية توضح أعداد البلاغات ومراحل معالجتها والنتائج والعقبات، بما يعزز الشفافية ويحول برنامج “أثر” من منصة لتلقي البلاغات إلى أداة وطنية متكاملة للبحث عن المفقودين وكشف مصيرهم.
وتأسست الهيئة الوطنية للمفقودين عام 2025 لمتابعة ملف المفقودين والمختفين قسراً وجمع بياناتهم والتحقق منها، وأطلقت مشاورات لإعداد مشروع قانون شؤون المفقودين، بالتوازي مع الاستجابة لبلاغات المقابر الجماعية، قبل إطلاق برنامج ”أثر” في 30 آب لتسجيل بيانات المفقودين تمهيداً لبناء سجل وطني موحد ودعم البحث عن مصيرهم.