عواصم-سانا
تتجه اقتصادات دول الخليج العربي نحو مرحلة تتسم بتعزيز المرونة وتحقيق نمو تدريجي، في وقت تخضع فيه لاختبار فعلي لقدرتها على الصمود أمام التوترات الجيوسياسية وتقلبات أسواق النفط، حيث تبرز السعودية والإمارات في صدارة مشهد النمو الإقليمي، مدعومتين بتسارع برامج التنويع الاقتصادي، واتساع مساهمة القطاعات غير النفطية.
وحسب تقرير صادر عن وكالة فيتش للتصنيف الائتماني نشرته فوربس الشرق الأوسط، فقد أظهرت دول الخليج قدرة لافتة على امتصاص تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية، بما في ذلك اضطرابات الملاحة وإغلاق مضيق هرمز، من دون أن ينعكس ذلك سلباً على التصنيفات الائتمانية لمعظم دول المنطقة.
وأكدت “فيتش” أن الاقتصادات الخليجية حافظت على استقرارها المالي، مستفيدةً من ارتفاع أسعار النفط وامتلاكها احتياطيات سيادية قوية، كما أشارت إلى أن السعودية والإمارات تمكنتا من الحفاظ على تدفقات تصدير مستقرة عبر مسارات بديلة، ما ساعد في تعويض جزء من أي تراجع محتمل في الكميات المصدّرة.
فيتش: مرونة خليجية رغم الصدمات
وقالت الوكالة: إن الاقتصادات الخليجية أظهرت “مرونة ملحوظة” خلال فترة الحرب، موضحةً أن التأثيرات بقيت محدودة على التصنيفات السيادية باستثناء حالات محدودة مثل قطر ورأس الخيمة اللتين وُضعتا تحت مراقبة سلبية لفترة قصيرة، نتيجة اعتبارات تتعلق بالطاقة والمخاطر الجيوسياسية.
وأضافت “فيتش”: إن أي تصعيد إضافي أو تعطيل طويل الأمد في الملاحة عبر مضيق هرمز قد يشكل اختباراً أعمق للمرونة الاقتصادية في المنطقة.
وفي السياق ذاته، أشار تقرير للبنك الدولي نشرته “العربية Business ” إلى أن اقتصادات الخليج واصلت تحقيق نمو متوازن خلال 2025 بدعم من الإصلاحات الهيكلية، مع توقعات بنمو متفاوت بين 2.7% و4.8% بين الدول الخليجية، بقيادة الإمارات والسعودية.
السعودية والإمارات تقودان النمو
وتبرز السعودية والإمارات كأكثر الاقتصادات الخليجية تأثيراً في مسار النمو خلال المرحلة المقبلة، مدعومةً ببرامج التحول الاقتصادي الكبرى، وتوسع الاستثمارات في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا.
ويرى محللون نقلت عنهم “فوربس الشرق الأوسط” أن السعودية تمثل محور التحول الاقتصادي في المنطقة عبر “رؤية 2030″، بينما تواصل الإمارات تعزيز موقعها كمركز إقليمي للتجارة والاستثمار والاقتصاد الرقمي.
الاستقرار حتى 2027.. تفاوت في الأداء
وفقاً للتقديرات المجمعة من البنك الدولي و”فيتش” و”فوربس”، فإن المشهد الخليجي حتى 2027 يتجه نحو:
الإمارات: استقرار أعلى ونمو متوازن بين القطاعات
السعودية: أكبر محرك اقتصادي إقليمي مع توسع غير نفطي متسارع
قطر: نمو مدعوم بقطاع الغاز الطبيعي
عُمان: تحسن تدريجي مع تنويع اقتصادي متسارع
الكويت والبحرين: أكثر حساسية لتقلبات النفط رغم وجود احتياطات مالية داعمة
محللون دوليون: التهدئة فرصة مشروطة
من جانبها، قالت الباحثة في “مركز سياسة الطاقة العالمية” بجامعة كولومبيا كارين يونغ، في تحليل نشرته “اندبندنت عربية”: إن التهدئة الحالية تمثل “فاصلاً هشاً” في سياق صدمة عميقة في أسواق الطاقة، مؤكدةً أن اختبار المرحلة المقبلة يرتبط بقدرة الدول على ضمان استمرارية تدفقات الطاقة وليس فقط تحقيق الفوائض المالية.
وأضافت يونغ: إن الأزمة أظهرت أهمية تنويع مسارات التصدير، معتبرةً أن خطوط الأنابيب البديلة في السعودية والإمارات لعبت دوراً محورياً في تقليل آثار الاضطراب.
وفي السياق ذاته، قال المبعوث الأممي لتمويل التنمية محمود محيي الدين في مقابلة مع “العربية Business”: إن اقتصادات الخليج “تتمتع بمتانة واضحة وقدرة على امتصاص الصدمات”، لكنه حذر من استمرار حالة عدم اليقين، مشيراً إلى أن السيناريوهات المستقبلية مرتبطة بشكل مباشر بمدى استقرار الوضع الجيوسياسي.
القطاعات غير النفطية.. محرك النمو المستقبلي
وتشير تحليلات اقتصادية نشرتها “فوربس” و”اندبندنت عربية” إلى أن الاقتصاد غير النفطي أصبح العامل الأكثر تأثيراً في استدامة النمو الخليجي، حيث تجاوزت مساهمته في بعض الدول 50% من الناتج المحلي الإجمالي، وبلغت في الإمارات أكثر من 77%.
ويرى محللون أن هذا التحول يقلل تدريجياً من حساسية الاقتصادات الخليجية تجاه تقلبات أسعار النفط، رغم استمرار دوره المحوري في الإيرادات العامة.
النفط والتأمين والمخاطر.. ضغط قابل للاحتواء
وفي سياق متصل، أوضحت “فيتش” أن ارتفاع تكاليف التأمين البحري واضطرابات مضيق هرمز زادت من تكلفة الشحن، لكنها لم تؤثر بشكل جوهري على استقرار الصادرات الخليجية، حيث تم تعويض جزء كبير من ذلك عبر ارتفاع أسعار النفط.
وحسب تقرير نشرته “فوربس الشرق الأوسط”، فإن أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب تضاعفت خلال فترات التوتر، ما يعكس إعادة تسعير شاملة للمخاطر في ممرات الطاقة الحيوية.
وحسب المعطيات الاقتصادية والتحليلات الصادرة عن مؤسسات دولية، فإن اقتصادات الخليج تدخل مرحلة إعادة تموضع اقتصادي، حيث لم يعد النفط العامل الوحيد المحدد للنمو، بل باتت القطاعات غير النفطية والاستقرار المالي والتنويع الاقتصادي عناصر حاسمة في تحديد مسار المرحلة المقبلة.