دمشق-سانا
يعد شهر رمضان موسماً لتجديد العادات التي نشأت عليها الأُسر جيلاً بعد جيل، وتزداد فيه حالة تسمى “الاستهلاك العاطفي” أو “الاقتصاد العاطفي”، حيث ترتبط درجة الإنفاق بالمشاعر والرغبة، أكثر من ارتباطه بالحاجة الفعلية.
ولا تقتصر هذه الحالة على فئة اجتماعية محددة، بل تنتشر بين شرائح متعددة على اختلاف مستوياتها الاقتصادية، بما في ذلك الأُسر ذات الدخل المحدود، التي لا تمتلك مردوداً مالياً كافياً لتلبية جميع احتياجاتها.
السفرة الرمضانية العامرة
قال محي الدين الجزائرلي (موظف) في تصريح لـ سانا: إنه مع حلول شهر رمضان الكريم يحرص الكثيرون على أن تكون السفرة الرمضانية عامرة ومتنوعة، مليئة بأصناف متعددة من الأطباق والحلويات غير أن هذه الرغبة، وإن كانت نابعة من روح الكرم والفرح بالشهر الفضيل، ترتبط في كثير من الأحيان بحالة الصيام ذاتها.
ويميل الصائم، تحت تأثير الجوع وطول ساعات الامتناع عن الطعام، نفسياً إلى شراء كميات أكبر من احتياجاته الحقيقية، سواء من الحلويات أو الوجبات الرئيسية، مدفوعاً برغبة آنية في تعويض ما حرم منه خلال النهار، وفقاً لجزائرلي، فيتصور أنه سيحتاج إلى جميع الأصناف التي يراها أو يشتهيها، فيقدم على شراء وجبات متعددة ومتنوعة، سواء من الأسواق الرئيسية أو محال الحلويات، معتقداً أن جسمه سيطلب كل هذه الأطعمة عند الإفطار.
الاستهلاك غير المتوازن
من جهتها ترى وداد العمري (ربة منزل) أن الزيادة في شراء الاحتياجات خلال الشهر الفضيل، تعد شكلاً من أشكال الاستهلاك غير المتوازن المرتبط بفترة الصيام، حيث تدفع الرغبة المؤقتة إلى قرارات شرائية مبالغ فيها.
وتوضح أنه غالباً ما ينتهي جزء كبير من هذه المشتريات كبقايا تهدر في اليوم التالي أو ترمى في النفايات، وهو ما يتعارض مع قيم الاعتدال، وعدم الإسراف التي يدعو إليها الشهر الفضيل.
استجابة نفسية
ويعتبر الخبير الاقتصادي مهند الزنبركجي في تصريح مماثل، “الاستهلاك العاطفي” بأنه ردة فعل عاطفية شديدة تدفع الفرد إلى شراء سلع لا يحتاجها فعلياً، أو اقتناء كميات تفوق حاجته وفي توقيت غير مناسب، ما يؤدي إلى إنفاق يتجاوز قدرته المالية، مقابل شعور مؤقت بالرضا أو ما يعرف بـ”نشوة الشراء”.
وبيّن الزنبركجي أن معدل الإنفاق السنوي يبلغ ذروته خلال شهر رمضان مقارنة ببقية أشهر السنة، الأمر الذي ينعكس مباشرة على حركة الأسواق، إذ تشهد المحال التجارية ازدحاماً ملحوظاً وارتفاعاً مؤقتاً في حجم الطلب، ما يساهم في زيادة الأسعار ويؤدي إلى اضطراب نمط الإنفاق الأسري، وخاصة لدى ذوي الدخل المحدود.
أهمية التخطيط المسبق
ودعا الزنبركجي إلى أهمية التخطيط المسبق للميزانية قبل حلوله لتجنّب الوقوع في فخ الاستهلاك العاطفي خلال الشهر الفضيل، والالتزام بالشراء وفق الحاجة الفعلية بدل التخزين بدافع الخوف من فقدان المواد، إضافة إلى توزيع الدخل على فترات الشهر وعدم إنفاقه دفعة واحدة.
وأشار الزنبركجي إلى أن الإنفاق المدروس والمتوازن، الذي لا يؤثر في الالتزامات المعيشية الأساسية، لا يُعد استهلاكاً عاطفياً، مؤكداً أن رمضان يبقى شهر القيم الروحية والتكافل الاجتماعي، وأن ترشيد الاستهلاك ضرورة اقتصادية وأخلاقية.
ولا تزال أسواق دمشق تشهد حركة نشطة وإقبالاً واسعاً من المواطنين، الذين يتنقلون بين المحال التجارية في محاولة لرصد حركة الأسعار ومقارنتها، وترتيب أولوياتهم بما يتناسب مع حاجاتهم الأساسية.