دمشق-سانا
تشهد دول مجلس التعاون الخليجي تحولات اقتصادية عميقة في مسارها التنموي طويل الأجل، بعد عقود من الاعتماد الكبير على عائدات النفط والغاز كمصدر رئيسي للدخل، مع بروز الحاجة إلى إعادة هيكلة الاقتصادات الوطنية بما يضمن الاستدامة والتنافسية والمرونة في مواجهة التقلبات العالمية.
وتسارعت هذه التحولات خلال الأعوام الأخيرة مع تزايد التحديات المرتبطة بأسعار الطاقة، والتغيرات التكنولوجية، وتبدل أنماط التجارة والاستثمار عالمياً.
وفي هذا السياق، تتجه دول الخليج نحو بناء اقتصادات أكثر تنوعاً، تعتمد على قطاعات إنتاجية وخدمية قادرة على خلق قيمة مضافة مستدامة، وهو ما أكدته البيانات الصادرة عن البنك الدولي خلال عامي 2025 و2026، بأن دول الخليج تسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ نموذج تنموي جديد، بما يضمن استقرارها الاقتصادي وتعزيز تنافسيتها في الاقتصاد العالمي.
نمو مدفوع بقطاعات غير نفطية
وتشير البيانات إلى أن اقتصادات دول الخليج رغم حالة عدم اليقين التي تهيمن على الاقتصاد العالمي، أظهرت قدرة ملحوظة على الصمود خلال عام 2025، مع تسجيل معدلات نمو إيجابية، وذلك بالاعتماد بشكل متزايد على الأنشطة غير النفطية، التي أصبحت المحرك الرئيسي للناتج المحلي الإجمالي، ولا سيما في قطاعات التجارة، والنقل، والخدمات المالية، إضافة إلى البناء.
وبحسب تقرير صادر عن شركة “برايس ووترهاوس كوبرز” العالمية للاستشارات، فإن الناتج غير النفطي في الخليج نما بمعدل 3.7 بالمئة خلال 2024، حيث حققت الإمارات العربية المتحدة نمواً بنسبة 4.9 بالمئة، بينما حققت السعودية والبحرين نمواً بنسبة 3.5 بالمئة، أما سلطنة عمان والكويت فقد سجلتا نمواً قدره 3.4 بالمئة، و2.2 بالمئة على التوالي، ما يعكس نجاحاً في السياسات الاقتصادية الهادفة إلى توسيع القاعدة الإنتاجية وتقليل الحساسية تجاه تقلبات أسواق الطاقة.
نمو متزايد مع إصلاحات هيكلية
واكتسب النمو الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي زخماً متزايداً في عام 2025، مدعوماً بالإصلاحات الهيكلية والابتكار الرقمي المتسارع، ووفقاً لتقرير “المستجدات الاقتصادية لدول الخليج” الصادر في خريف 2025، يتوقع أن ينمو اقتصاد الإمارات بنسبة 4.8 بالمئة، والسعودية بنسبة 3.8 بالمئة، والبحرين بنسبة 3.5 بالمئة، وعُمان بنسبة 3.1 بالمئة، وقطر بنسبة 2.8 بالمئة، والكويت بنسبة 2.7 بالمئة.
ويشير التقرير إلى أن الحفاظ على هذا المسار يتطلب استمرار التقدم في استراتيجيات الرؤية الوطنية، وإدارة مالية منضبطة للحد من مخاطر تقلبات أسعار النفط، والتوترات الجيوسياسية، وتباطؤ الإصلاحات المحتمل.
الاستثمار في البنية التحتية
لعبت الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية دوراً محورياً في دعم التحول الاقتصادي الخليجي، حيث شهدت دول كالإمارات والسعودية توسعاً كبيراً في مشاريع النقل، والموانئ، والمناطق اللوجستية، والمدن الاقتصادية، ما أسهم في تحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات الأجنبية.
ووفق تقرير صادر عن البنك الدولي في حزيران الماضي، فإن الإنفاق الاستثماري الذكي كان أحد العوامل الأساسية التي ساهمت في رفع توقعات النمو لدول الخليج إلى نحو 3.2 بالمئة في 2025، مع إمكانية تسارعها إلى 4.5 بالمئة العام الحالي في حال استمرار زخم الإصلاحات.
اقتصاد المعرفة
ويعد التوسع السريع في التحول الرقمي وتبني التقنيات الحديثة من أبرز ملامح التحولات الاقتصادية في دول الخليج، حيث أشار البنك الدولي في تقريره الصادر في كانون الأول الفائت إلى أن دول الخليج تُعد من بين الأكثر تقدماً عالمياً في انتشار شبكات الجيل الخامس، ما عزز نمو الاقتصاد الرقمي والتجارة الإلكترونية والخدمات المالية الرقمية، ورسخ انتقالها نحو اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
سوق العمل
بالتوازي أشارت تقارير اقتصادية حديثة إلى أن سوق العمل الخليجي يشهد تغيرات هيكلية مهمة، من حيث تنويع المهارات المطلوبة وارتفاع نسبة مشاركة المرأة في القطاعات غير التقليدية، ما يدعم نمواً أكثر شمولاً واستدامةً.
وفي السياق، كشفت البيانات الأخيرة الصادرة عن المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون، أن أغلب الأنشطة الاقتصادية شهدت معدلات نمو إيجابية العام الماضي، إذ حقق قطاع المال والتأمين نمواً بنسبة 11.7 بالمئة، يليه النقل والتخزين بـ 11.6 بالمئة، ثم الأنشطة العقارية بـ 8.1 بالمئة، والإدارة العامة والدفاع بـ 7.9 بالمئة، وتجارة الجملة والتجزئة بـ 7.6 بالمئة، بينما نما قطاع التعليم بـ 5.5 بالمئة.
كما أوضح التقرير ربع السنوي لدول مجلس التعاون أن الناتج غير النفطي سجل نمواً بـ 3.7 بالمئة في الربع الرابع من 2024، مقابل انكماش طفيف في قطاع النفط بنسبة 0.9 بالمئة، ما يؤكد أن القطاعات غير النفطية باتت تهيمن على أكثر من 70 بالمئة من نمو الناتج الخليجي.
التحديات الاقتصادية وآفاق المستقبل
ويرى خبراء اقتصاديون أن اقتصادات الخليج لا تزال تواجه تحديات، تتعلق باستمرار الاعتماد على عائدات النفط وتطوير رأس المال البشري، إضافة إلى تأثير تباطؤ النمو العالمي واضطرابات سلاسل الإمداد، إلا أنه في الوقت نفسه، تعكس التحولات الجارية انتقالاً مدروساً نحو اقتصاد أكثر تنوعاً ومرونةً، وقائم على القطاعات غير النفطية والاستثمار في البنية التحتية والتحول الرقمي ودور أكبر للقطاع الخاص، بما يعزز الاستدامة والتكيف مع المتغيرات العالمية.