ريف دمشق-سانا
صوت آلاتٍ، مرّ زمن طويل على اختفائه، عاد اليوم ليملأ أجواء مدينة سقبا بريف دمشق المشهورة بصناعة الموبيليا سابقاً، والتي أغلقت ورشاتها في السنوات الماضية جراء ممارسات التضييق التي انتهجها النظام البائد على القطاع الإنتاجي والصناعي.

حرفيو صناعة الموبيليا في سقبا كانوا مقصداً للراغبين بشراء الأثاث المنزلي والمكتبي، ورغم السنوات الأخيرة فقدت هذه المدينة رونقها مع هجرة أبنائها العاملين في هذه الصناعة، لتبدأ اليوم بإعادة إحياء الموبيليا بين أحيائها.
ليس مجرد حرفة
“التعامل مع لوح الخشب بالنسبة لي ليس مجرد حرفة، بل علاقة يومية مع مادة حية”، كلمات بدأ فيها قاسم المزعل حديثه لـ سانا، مؤكداً أن قطاع (النجارة) في مدينة سقبا بات يشهد تحسناً واضحاً في الإنتاج، مع توفر المواد الأولية من خشب وإكسسوارات لزوم الصناعة ولا سيما مثل خشب السنديان، والسويدي، والشوح، والجوز، وذلك بعد أن كانت الورش تعاني من نقص كبير من هذه المواد.

توفر المواد الأولية انعكس على الأسعار وفق المزعل، فباتت أكثر استقراراً، وهو ما شجع العديد من الورش في سقبا على استئناف عملها، وبالتالي عودة حركة سوق الموبيليا.
طلب متزايد من خارج البلاد
شدد المزعل على أن الارتياح النفسي الذي يعيشه الحرفيون اليوم بعد التحرير يعد عنصراً أساسياً في تحسين جودة العمل وزيادة الإنتاج، بعد سنوات طويلة عاشوها من القلق والتوقف عن العمل، مبيناً أن هذا الاستقرار ساعد الحرفيين على التركيز في عملهم والعودة إلى حياتهم المهنية بشكل طبيعي.
الأمر الآخر الذي ساعد الورش في سقبا على العودة وفق المزعل، هو وجود طلب متزايد من خارج البلاد على منتجات ورشات الموبيليا في ريف دمشق، ولا سيما من العراق والأردن والكويت، حيث يقصدون المدينة لشراء قطع الأثاث الخشبي بكميات كبيرة، ما أعاد الأمل لأصحاب المحلات وفتح أمامهم آفاقاً اقتصادية جديدة.
هجرة الحرفيين سابقاً

الحرفي عصام الرواس الذي أمضى عقوداً طويلة في هذه المهنة، يعود بالزمن عشرات السنين خلال حديثه لـ سانا، ويقول: “قديماً، ما إن تدخل إلى مدينة سقبا تشم رائحة الخشب تفوح في كل مكان، لكن منذ بداية الثورة قام النظام البائد بالتضييق على الحرفيين بالإضافة إلى سرقة آلاتهم ومحلاتهم، ما أدى إلى هجرة الكثير منهم”.
وبين الرواس أن الورشات التي بقيت تعمل خلال السنوات الماضية كانت تعاني من شح الخشب والأدوات التي تعد أساس العمل اليومي، مضيفاً: “كنا نلجأ لاستخدام معدات قديمة تتطلب جهداً كبيراً للحفاظ على جودة الإنتاج، بينما كانت عملية البحث عن قطعة خشب مناسبة أو إكسسوار تستغرق أياماً”.
تبدل الوضع جذرياً

بعد التحرير وانفتاح البلد على الخارج وتسهيل حركة المواد والاستيراد، تغير الوضع جذرياً، فأصبحت العدد الصناعية الحديثة والمواد الأولية متوفرة بنسبة 100%، وفق الرواس، ما أعاد الثقة للحرفيين وشجعهم على إعادة نشاطهم للمنطقة، مضيفاً: “مجرد تشغيل آلة القطع الحديثة اليوم يمنح شعوراً بالأمان، لأنها توفر وقتاً وجهداً كان الحرفي يخسره في الماضي”.
وفي مقارنة أخرى بين الماضي والحاضر، يشير الرواس إلى أن الرسوم الجمركية و الأتاوات التي كانت تفرض على السيارات المحملة بالمواد، كانت تثقل كاهل المنتج والمستهلك على حد سواء، بينما تم تجاوز هذه التحديات اليوم، مما خفّض التكاليف وسهّل عملية الاستيراد وتأمين احتياجات السوق.
مراحل العمل
أحمد عناية، صاحب ورشة تنجيد موبيليا في المدينة، يصف حرفته بالقول: “هي مصدر رزقنا ورزق مئات العائلات في سقبا التي نعتبرها عاصمة المفروشات في سوريا”.

ويستعرض عناية آليات تصنيع الأثاث والتطورات التي شهدها القطاع خلال السنوات الأخيرة، مبيناً أن العملية تبدأ باستلام القطعة الخشبية بسماكة 4 سم، ثم تضاف طبقات الإسفنج وفق التصميم المطلوب، حيث يستخدم في الظهر إسفنج بسماكة تقارب 7 سم من نوع سوبر أول إكسترا، ويعتمد النوع ذاته في الجوانب لضمان المتانة.
وأشار عناية، إلى أن الطراحة تنفذ بسماكة تقارب 14 سم، وتُحشى بطبقتين من “الدّكرون” مع بيت داخلي وقماش خارجي من النخب الأول، لافتاً إلى أن الإسفنج الأكثر استخداماً في المنطقة هو إسفنج سوبر أول إكسترا، مع وجود أنواع أخرى تُختار حسب طبيعة العمل، بينما يفضّل معظم الصناع الاعتماد على الأقمشة الأجنبية ذات الجودة العالية.

وائل وردة صاحب صالة عرض مفروشات في مدينة سقبا، يؤكد أن التعاون مع الورش المحلية أصبح اليوم أكثر تنظيماً وسلاسة، مضيفاً: “نعمل مع حرفيين مهرة لضمان إنتاج قطع أثاث متقنة ومتينة، تعكس الخبرة الطويلة في النجارة والتنجيد”، لافتاً إلى أن المواد الأولية متوفرة والتقنيات الحديثة تساعد على تصنيع منتجات بجودة عالية، تلبي جميع الأذواق، من التصاميم الكلاسيكية إلى العصرية.
يُذكر أن صناعة الموبيليا في سقبا بدأت في أوائل السبعينيات من القرن العشرين، حيث بدأ السكان بمهنة النجارة الخشبية ونقلوها من حي القيمرية بدمشق، وازدهرت هذه الصناعة لتصبح الحرفة الأولى في المنطقة، وأصبحت سقبا مركزاً معروفاً بتصنيع وعرض المفروشات على مستوى سوريا، وتوسعت معارضها بشكل كبير في التسعينيات، حتى أصبحت تضم أكبر تجمع لصالونات الموبيليا في العالم.