دمشق-سانا
مع بدء العام الدراسي، قد يتحول تأجيل الدراسة والتوقعات الأسرية المرتفعة والمقارنة بالآخرين من ضغوط عابرة إلى إنهاك يؤثر في تركيز الطالب وتحصيله وعلاقاته.
ومن المكتبة الوطنية السورية بدمشق، حذرت الاختصاصية والمعالجة النفسية آلاء تللو من ترك الضغط يتراكم، مؤكدة أن النجاح لا يحتاج إلى المثالية، بل إلى أهداف واقعية وتوازن بين العمل والراحة.
وقدمت تللو خلال محاضرة نظمتها وزارة الثقافة اليوم الإثنين بعنوان “إدارة الضغوط الدراسية وضغوط الحياة اليومية”، وسائل عملية تساعد الطلاب والأسر على استعادة الشعور بالسيطرة، وتناولت عبرها أسباب التوتر وأعراضه الجسدية والنفسية والذهنية والسلوكية، والحد الفاصل بين الضغط الطبيعي المحفز والضغط المزمن الذي يحتاج إلى تدخل متخصص.
ضغط الأهل والمدرسة قد يتحول إلى إنهاك

وأوضحت تللو أن المشكلة لا تكمن في وجود الضغط، فهو قد يدفع الإنسان إلى الإنجاز، وإنما في استمراره وتجاوزه القدرة على التكيف، ما ينعكس على الدراسة والنوم والمزاج والعلاقات الاجتماعية، وقد يصل الأمر إلى ضعف التحصيل رغم طول ساعات المذاكرة، وتراجع القدرة على اتخاذ القرار، والشعور المستمر بالإرهاق.
وأشارت إلى أن الطلاب يواجهون، إلى جانب متطلبات الدراسة، ضغوطاً يومية ناتجة عن تعدد المسؤوليات وتوقعات الأسرة والخوف من الفشل، وشددت على ضرورة تعاون الأسر والمدارس والمؤسسات في توفير بيئة داعمة، وعدم مطالبة الطالب بنتائج تفوق إمكاناته أو اختزال قيمته في علاماته الدراسية.
فخ التأجيل والمقارنة

وعدّت تللو تأجيل المهام إلى اللحظات الأخيرة، ووضع جداول لا تراعي القدرات الفعلية، والدراسة المتواصلة من دون راحة، وعدم فهم المادة جيداً، من أبرز مصادر الضغط الدراسي، ودعت إلى تقسيم المهمة الكبيرة إلى خطوات صغيرة، وتحديد أولويات يومية يمكن إنجازها، بدلاً من ملاحقة خطة مثالية يصعب الالتزام بها.
كما حذرت من المقارنة المستمرة بالآخرين، ولا سيما مع ما تعرضه وسائل التواصل الاجتماعي من صور مثالية للحياة والنجاح، وبينت أن هذه المقارنات قد تضعف نظرة الفرد إلى ذاته وتزيد شعوره بالتقصير، داعيةً الطالب إلى مقارنة أدائه الحالي بأدائه السابق، وقياس تقدمه وفق ظروفه وقدراته.
أعراض لا تُهمل

وتظهر الضغوط، وفق تللو، في صورة صداع وآلام في المعدة والظهر والرقبة، واضطرابات في النوم وتعب مستمر، إضافة إلى العصبية والحزن وصعوبة التركيز والنسيان والأفكار السلبية، وقد تنعكس سلوكياً عبر تأجيل المهمات أو الانعزال أو الإفراط في الطعام أو فقدان الشهية.
ونبهت إلى خطورة تشخيص الاضطرابات النفسية ذاتياً بالاعتماد على قراءة الأعراض عبر الإنترنت، موضحةً أن المشاعر العابرة لا تعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي، لكنها أكدت أهمية استشارة مختص عندما تستمر الأعراض أو تزداد حدتها وتبدأ بالتأثير في الدراسة والعمل والحياة اليومية.
خطة واقعية للسيطرة
واقترحت تللو تحديد ست أولويات أساسية في اليوم، ووضع أوقات واضحة للدراسة والراحة، وإجراء مراجعة أسبوعية لقياس التقدم وتحديد ما يحتاج إلى تطوير، كما دعت إلى مراعاة الإيقاع الحيوي لكل شخص، إذ تختلف أوقات التركيز، وإلى اعتماد الفهم والتحليل بدلاً من الحفظ المجرد.
وأكدت أهمية دعم الصحة النفسية بالنوم الكافي والتغذية المتوازنة وشرب الماء والتقليل من المنبهات، مع ممارسة المشي أو النشاط البدني مدة تتراوح بين 20 و30 دقيقة يومياً، كما نصحت بتنظيم استخدام الهاتف، والتحدث مع الأسرة والأصدقاء، والاستفادة من مجموعات الدعم والدراسة بدلاً من اللجوء إلى العزلة.
النجاح بلا مثالية
وختمت تللو بالتأكيد على أن التعافي يبدأ بالوعي والتدخل المبكر وطلب المساندة عند الحاجة، وأن الخطوات الصغيرة القابلة للاستمرار أكثر فائدة من الأهداف الكبيرة غير الواقعية.
وتأتي المحاضرة ضمن الفعاليات التي تنظمها المكتبة الوطنية السورية بهدف نشر الوعي الثقافي والمعرفي والاستفادة من خبرات الكفاءات السورية في المهجر.
يُذكر أن الاختصاصية آلاء تللو حاصلة على إجازة في علم النفس من جامعة ماساتشوستس في بوسطن، وماجستير في العلاج النفسي من جامعة كامبريدج في بوسطن، وتعمل حالياً معالجة نفسية في الولايات المتحدة الأمريكية.
