دمشق-سانا
أعلن اتحاد الكتاب العرب إطلاق مجموعة من الأنشطة والبرامج والإصدارات المتخصصة بالعدالة الانتقالية الثقافية، انطلاقاً من أهمية تدوين الذاكرة الوطنية بإنصاف، ومعالجة الآثار النفسية والاجتماعية للمتضررين، وتعزيز دور الأدب والفكر في بناء مستقبل سوري قائم على المواطنة.
وأوضح الاتحاد في بيان تلقت سانا نسخة منه اليوم الخميس أن برامجه المرتقبة ستشمل ندوات وأمسيات ومهرجانات ثقافية في عدد من المحافظات، إلى جانب إصدار سلسلة من المؤلفات الفكرية والأدبية التي توثق تجارب السوريين، وتتيح للضحايا التعبير عن معاناتهم، بما يسهم في حفظ الذاكرة السورية الجمعية وترسيخ ثقافة الحوار.
مساران قانوني وثقافي
للحديث عن هذا الموضوع، قال رئيس اتحاد الكتاب العرب الدكتور أحمد جاسم الحسين، في تصريح لـ سانا: إن عمل الاتحاد في مجال العدالة الانتقالية يسير ضمن مسارين متكاملين، أولهما قانوني يتعلق بإحداث لجنة للعدالة الانتقالية، تضم عدداً من أعضاء الاتحاد من ذوي الاختصاص القانوني، وتتولى دراسة الملفات والتصرفات المرتبطة بأعضاء الاتحاد خلال المرحلة السابقة.
وأضاف الحسين: إن اللجنة تعمل على مراجعة الحالات المتعلقة بمن أيدوا انتهاكات النظام البائد، أو أسهموا في فصل زملائهم، أو أصدروا مؤلفات مجّدت مرتكبي الجرائم أو حرّضت على العنف، مشيراً إلى أن دراسة هذه الملفات وما قد يترتب عليها من إجراءات ستتم وفق القوانين السورية، وبما ينسجم مع مبادئ العدالة وشرعة حقوق الإنسان، مع مراعاة تناسب الإجراء مع طبيعة المخالفة المثبتة.
الاستماع إلى الضحايا وتوثيق تجاربهم
بيّن الحسين أن المسار الثاني يتمثل في الوجه الثقافي للعدالة الانتقالية، من خلال إقامة أنشطة وأمسيات وندوات في المحافظات السورية، وإطلاق سلسلة كتب تتناول هذا المفهوم وأبعاده الفكرية والاجتماعية، وتبحث في دور الثقافة بكشف الحقيقة ومداواة آثار الماضي.
ولفت إلى أن هذه الأنشطة ستخصص مساحة للاستماع إلى شهادات الضحايا والناجين، بمن فيهم المعتقلون السابقون والنساء اللواتي تعرضن للانتهاكات، والمصابون، ومن فقدوا أجزاء من أجسادهم، إضافة إلى الناجين من المجازر وذوي الضحايا، على أن يجري توثيق هذه الشهادات وصونها بوصفها جزءاً من الذاكرة الوطنية والتاريخ السوري المعاصر.
الأدب مساحة للاعتراف والمراجعة
أشار الحسين إلى أن البرنامج سيحتفي أيضاً بالنصوص الأدبية من شعر وقصة ورواية وشهادة، التي تناولت تجارب السوريين خلال سنوات الثورة، بما يتيح للأدب أن يؤدي دوره في التعبير عن الألم الإنساني، وفهم أبعاده، وفتح مسارات للحوار والتعافي والمصالحة المجتمعية.
وأكد أن الاتحاد سيفسح المجال كذلك أمام الكتّاب الذين يرغبون في مراجعة مواقفهم السابقة، والاعتراف بما ارتكبوه من أخطاء والاعتذار عنها، وتقديم أعمال جديدة تنقض خطاب التحريض أو ترويج العنف الذي تضمنته بعض مؤلفاتهم، بما يجعل المراجعة الفكرية الصادقة مدخلاً إلى تحمّل المسؤولية وخدمة السلم الأهلي.
عام العدالة الانتقالية الثقافية
كشف الحسين أن الاتحاد يعتزم تسمية عام 2027 «عام العدالة الانتقالية الثقافية»، بحيث تتركز برامجه وأنشطته على هذا المحور، مؤكداً أن الوصول إلى مجتمع متصالح مع ذاته يحتاج إلى الحوار والاستفادة من دروس الماضي.
وحول التنسيق مع الجهات المعنية، أوضح الحسين أن لدى الاتحاد مذكرة تفاهم أولية مع الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، مشدداً على أن الاتحاد لا ينوب عن الهيئة ولا يتدخل في اختصاصاتها، وأن نشاطه يقتصر على المجال الثقافي وعلى برامجه وأعضائه.
وأكد أن الغاية الأساسية من هذا المشروع هي الإسهام في كتابة سردية سورية تحفظ حقوق الضحايا وتصون الذاكرة الوطنية، وتجعل من الثقافة جسراً نحو سوريا متنوعة وموحدة، يسودها الحوار والعدالة والسلام.
ويعكس هذا المشروع توجهاً نحو توظيف الأدب والفكر في صون ذاكرة السوريين، وإتاحة المجال أمام أصوات الضحايا لتكون جزءاً من السردية الوطنية السورية.