دمشق-سانا
حملت ناجيات سوريات أصواتهن من خلف جدران سجون وزنازين النظام البائد إلى فضاء الذاكرة والشهادة، مستعيدات في ندوة “أصوات خلف الجدران” بالمركز الثقافي العربي في كفر سوسة جانباً من تجاربهن، وما رافق سنوات الاعتقال من خوف وألم وصمود، وآثار امتدت إلى حياتهن وأسرهن حتى بعد الخروج.

الندوة، التي أقامتها اليوم الأحد رابطة الناجيات السوريات بمناسبة اليوم العالمي لضحايا الاختفاء القسري، وأدارتها الناشطة سناء كوكش، جمعت ناجيات وأهالي معتقلين واختصاصيين اجتماعيين ونفسيين وممثلين عن جهات ومنظمات معنية بقضايا المرأة، وفتحت مساحة لاستعادة الشهادات والحديث عن سبل استعادة الأمان والثقة والاندماج في المجتمع، إلى جانب المطالبة بكشف مصير المفقودين وتحقيق العدالة وجبر الضرر.
ذاكرة الاعتقال وصوت الصمود
في مستهل الندوة، روت الناجية نور الهدى الأحمر جانباً من تجربتها في المعتقل، مشيرة إلى وجودها في زنزانة ضيقة مكتظة بالنساء، وكيف كان الرسم متنفساً لها ولرفيقاتها اللواتي لقبنها بقلم رصاص، إذ كن يطلبن منها رسم صور لأطفالهن وعائلاتهن، في محاولة لاستعادة شيء من الحياة التي حُرمن منها.
ولفتت الأحمر إلى قسوة الظروف المعيشية وحرمان المعتقلات من احتياجات أساسية، وتقاسمهن الألم والحنين إلى عائلاتهن وأطفالهن.
من عتمة الاعتقال إلى استعادة الحياة
استحضرت الناجية سوسن العبار جوانب من سنوات الاعتقال وما تعرضت له المعتقلات من خوف وظروف قاسية، إضافة إلى إضرابات عن الطعام احتجاجاً على ظروف الاحتجاز، مؤكدة أهمية حفظ ذاكرة الضحايا والإنصات إلى روايات الناجيات بوصف ذلك جزءاً من استعادة الكرامة والحقوق.
أما الناجية أمينة شعيرية، فتحدثت عن تراكم المآسي الشخصية والجماعية التي عاشتها المعتقلات، وعن الصعوبات التي واجهنها بعد الخروج، مؤكدة حاجتهن إلى مزيد من الوعي المجتمعي وإلى فرص حقيقية لاستعادة حياتهن والمشاركة في بناء المستقبل، واستشهدت بتجربتها في استكمال تعليمها ونجاحها في امتحان الشهادة الثانوية في محاولة منها لبناء حياة جديدة.
واستحضرت الناجية حنان بزازة جانباً من مواقف الصمود داخل سجن عدرا، وروت تجربة مجموعة من المعتقلات اللواتي واجهن محاولات فرض رموز سلطة النظام البائد داخل السجن، مؤكدة أن إرادتهن وتضامنهن شكلا مصدر قوة في مواجهة الخوف، وأن المعاناة لم تتوقف عند حدود السجن، بل امتدت إلى أسرهن ومجتمعاتهن، مطالبة بكشف مصير المفقودين والوصول إلى الحقيقة.
وتناولت الناجية نور البيك أثر التمسك بالمبادئ في مواجهة ظروف الاعتقال، مشيرة إلى أن المعتقلات الشابات حافظن على قناعاتهن وإرادتهن رغم صعوبة التجربة، معتبرة أن التمسك بالمستقبل والمبادئ كان أحد أشكال المقاومة والصمود.
العدالة تتطلب مسارات قانونية وإنصاف الضحايا
في حديثها عن دور المؤسسات في المرحلة الحالية، أكدت هبة سويد، عضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، أن دور المجتمع المدني في دعم الناجين والناجيات يحتاج إلى مؤسسات وسلطة قانونية قادرة على العمل على هذه الملفات وإنصاف الضحايا، موضحة أن عمل الهيئة يركز على مركزية الضحايا والاستماع إلى وجهات نظرهم في القضايا المتعلقة بالعدالة الانتقالية.
وأشارت إلى أن الوصول إلى العدالة يتطلب مسارات قانونية وأدلة موثقة، وبناء الملفات وتحديد احتياجات الناجين والناجيات، إلى جانب مراكز التعافي وبرامج جبر الضرر المجتمعي.
كما شهدت الندوة شهادات لأهالي المعتقلين تناولت معاناتهم خلال سنوات احتجاز أبنائهم، وصعوبة الوصول إليهم أو معرفة مصيرهم، وما رافق ذلك من خوف وقلق وانتظار طويل، إضافة إلى ما تعرضت له بعض الأسر من استغلال وابتزاز وطلب رشاوى مقابل الحصول على معلومات عن ذويهم.
وأكد الأهالي أن معاناتهم لم تكن أقل قسوة من معاناة المعتقلين، وأن كشف مصير المفقودين ومعرفة الحقيقة يشكلان مطلباً إنسانياً أساسياً للعائلات.
لمحة عن الرابطة
تأسست رابطة الناجيات السوريات عام 2021 في الشمال السوري المحرر بمبادرة من مجموعة من الناجيات، بهدف إيجاد إطار يجمع النساء اللواتي مررن بتجارب الاعتقال والانتهاكات، وتقديم الدعم النفسي والمعنوي لهن، وتعزيز مشاركتهن في الحياة العامة والعملية، ومساعدتهن على استعادة أدوارهن الاجتماعية والمهنية.

