دمشق-سانا
على صفحات المصاحف الأولى، لم يكن الحرف العربي عنصراً جمالياً فحسب، بل أداة لحفظ النص القرآني وتوثيقه، ومن تلك البدايات برز الخط الكوفي المصحفي، أحد أقدم أنماط الكتابة العربية، قبل أن تهذّبه البيئات الإسلامية المتعاقبة وتمنحه قواعده وملامحه الفنية المميزة.
من الحجاز إلى الكوفة.. رحلة الضبط والتجويد

يرجع الخطاط أحمد كمال بدايات الخطوط المرتبطة بكتابة المصحف إلى فجر الإسلام، موضحاً أن استشهاد عدد كبير من حفظة القرآن الكريم في معركة اليمامة دفع الخليفة أبا بكر الصديق إلى جمع القرآن الكريم، في مرحلة ارتبطت فيها الكتابة بأسماء بارزة، من بينها علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت.
وقال كمال في تصريح لـ«سانا»: إن الكوفي المصحفي من أقدم الخطوط العربية، وقد كُتبت به المصاحف المبكرة، وظل مستخدماً حتى القرن الثالث الهجري، مارّاً بمحطات متعاقبة من التطور والتهذيب.
وأوضح أن مرحلته الأولى نشأت في الحجاز، حين انصب الاهتمام على توثيق النص أكثر من ضبط الشكل، لذلك لم تكن الحروف محكومة بقواعد دقيقة، أما في الكوفة، فدخل الخط مرحلة «التجويد والتشذيب»، فاكتسب مزيداً من الانتظام والوضوح، وتطورت بنيته الجمالية.
وبحسب كمال، كُتب بهذا الخط عدد من المخطوطات المهمة، وتضم مكتبة كامبريدج البريطانية نماذج منها، ومع انتقاله بين الأمصار، تأثر الكوفي المصحفي بخصائص كل بيئة، فتفرعت عنه أنماط عدة، أبرزها الكوفي الفاطمي والمغاربي والأندلسي.
القصبة والاستطالات.. هندسة تمنح الصفحة توازنها
تقوم هندسة الكوفي المصحفي، وفق كمال، على «القِطّة»، أي عرض القصبة الذي يمثل وحدة القياس الأساسية للحرف، وتتميز القصبة بقطع مثلث الشكل يترك أثره في انحناءات الحروف ورؤوسها وكؤوسها، ويمنح الخط طابعه الحاد والمتوازن.
ولا يقتصر دور عرض القصبة على بناء الحروف، بل يمتد إلى ضبط المسافات بينها وبين السطور؛ إذ تتصل حروف المقطع من دون فراغ، فيما تفصل بين المقاطع مسافة تعادل عرض القصبة مرتين.
ومن السمات اللافتة في هذا الخط إمكان تقسيم الكلمة بين سطرين عندما تتكون من مقطعين؛ فقد يُكتب المقطع الأول من كلمة «يولد» في نهاية السطر، ويُستكمل المقطع الثاني في بداية السطر التالي.
وتؤدي الاستطالات دوراً مهماً في ضبط إيقاع الصفحة، إذ يستخدمها الخطاط لإنهاء السطور على نحو متقارب، بما يحفظ تناسقها ويمنح المخطوط توازناً بصرياً واضحاً.
أما علامات الضبط في المخطوطات الكوفية المصحفية المبكرة، فكانت تُرسم بلون يختلف عن الحبر الأساسي، وغالباً بالأحمر؛ فتُوضع الفتحة إلى يمين الحرف، والضمة إلى يساره، والكسرة أسفله، بينما يُمثّل التنوين بنقطتين.
ورغم امتداد تاريخه قروناً، يرى كمال أن الكوفي المصحفي لم يحظَ بتدوين وافٍ لقواعده وموازين حروفه، ما دفعه إلى دراسة خصائصه والعمل على تقعيده.
وأشار إلى أنه أعدّ كراساً يضم أشكال الحروف المفردة وطرائق اتصالها، مع وضع ميزان خاص لكل حرف، لافتاً إلى أن العمل بات في مرحلة الطباعة، في محاولة لنقل هذا الخط من حيّز الدراسة التاريخية إلى فضاء التعليم والممارسة.
ويواصل الخط الكوفي المصحفي حضوره بوصفه شاهداً على تاريخ الخط العربي وتطوره، وجسراً يصل بين عراقة الكتابة العربية وفنونها المعاصرة، بما يحفظ لهذا الخط مكانته في الذاكرة الثقافية والفنية.

