دمشق-سانا
على امتداد أكثر من ثلاثة عقود، تنقّل الأكاديمي والمترجم والقاص السوري الراحل الدكتور موسى الحالول بين قاعات الجامعات ورفوف الكتب وفضاءات الترجمة، حاملاً مشروعاً معرفياً جمع فيه بين الأدب المقارن والإبداع السردي، وأسهم من خلاله في مدّ جسور التواصل بين الثقافة العربية وآداب العالم.
وبرحيله في مدينة إسطنبول في الـ 13 من تموز الجاري إثر نوبة دماغية، فقدت الثقافة السورية والعربية واحداً من أبرز المشتغلين في الأدب والترجمة، بعد أن ترك إرثاً تجاوز 65 كتاباً، تنوعت بين التأليف والترجمة والنقد والدراسات المقارنة، وشكّلت حصيلة مسيرة أكاديمية وثقافية حافلة بالعطاء.
من الرقة إلى الجامعات العالمية
وُلد الدكتور الحالول في مدينة الرقة عام 1966، ونال إجازة في اللغة الإنكليزية وآدابها من جامعة حلب عام 1987، قبل أن يتابع دراساته العليا في الولايات المتحدة، حيث حصل على الماجستير في الأدب المقارن من جامعة ولاية بنسلفانيا عام 1991، ثم الدكتوراه في التخصص نفسه عام 1995.

وعاد الحالول إلى سوريا ليبدأ مسيرته الأكاديمية أستاذاً للأدب والترجمة في جامعة اللاذقية، قبل أن يدرّس في جامعتي جرش والعلوم التطبيقية في الأردن، وجامعة الطائف في المملكة العربية السعودية، كما شغل منصب عميد كلية الآداب في جامعة الفرات فرع الرقة.
إنتاج غزير جمع بين التأليف والترجمة
تميّز الحالول بتنوع مشروعه الثقافي، إذ جمع بين الكتابة الإبداعية والبحث الأكاديمي والترجمة، فصدرت له مؤلفات قصصية وأدبية، من أبرزها: ”التاريخ السري لكلبنا نمور”، و”مرياعستان”، و”سفر الخروج إلى إسطنبول”، و”العربية المعذبة”، و”أمريكا التي رأيت”، إلى جانب مجموعته الإنكليزية “قواعد جديدة للنظام العالمي الجديد”.
وفي مجال الترجمة قدّم للمكتبة العربية أعمالاً نوعية، شملت الأعمال القصصية الكاملة لإرنست همنغواي، وحكايات الهنود الأمريكيين وأساطيرهم، وهكذا تكلم الفايكنغ، وحكايات إيسوب، وخفايا ما بعد الحداثة، إضافة إلى ترجمات في التاريخ والحضارة والأساطير العالمية، وكتاب “مدخل إلى الترجمة الأدبية”.
وبالموازاة ترجم الراحل إلى اللغة الإنكليزية عدداً من الأعمال الأدبية العربية، في إطار سعيه إلى مدّ جسور التواصل بين الثقافتين العربية والغربية.
أستاذ الأدب المقارن وصاحب المشروع المعرفي
ارتكز مشروع الحالول العلمي على الأدب المقارن والترجمة، بوصفهما وسيلتين للحوار الثقافي، واهتم بإبراز الآداب العالمية للقارئ العربي، إلى جانب تدريسه الأدب الإنكليزي والترجمة في عدد من الجامعات العربية، حيث خرّج أجيالاً من الباحثين والطلاب كما عُرف بمتابعته للحراك الثقافي، وحرصه على نشر المعرفة عبر الكتب والدراسات والترجمات التي تناولت قضايا الأدب والفكر والحضارات الإنسانية.
خسارة للثقافة السورية والعربية
الأديب عيسى الشيخ حسن وصف في تصريح لـ سانا الراحل، بأنه أحد أبرز الوجوه الثقافية السورية، مؤكداً أن مسيرته اقترنت بالعطاء العلمي والثقافي، وقال: “كان أستاذاً جامعياً مرموقاً، ومترجماً من الإنكليزية وإليها، وأديباً قاصاً بارعاً، وعالماً لغوياً متمكناً من العربية والإنكليزية، إضافة إلى كونه مثقفاً موسوعياً ومتحدثاً يمتلك أدواته المعرفية بثقة واقتدار.”
واعتبر الشيخ حسن أن رحيل هذا الأديب يمثل خسارة سورية كبيرة، وخسارة للثقافة العربية، لما تركه من أثر علمي وإبداعي واسع.
رحل المبدع وبقيت سيرة الكلمات
تميّز الحالول في أعماله السردية بأسلوب ساخر ودقة لغوية لافتة، كما ظهر في مؤلفاته “مرياعستان” و”التاريخ السري لكلبنا نمور”، وفي مقالاته مثل “في الصيف ضيّعنا القائد الخالد” المنشورة في موقع مآلات، التي مزج فيها بين الذاكرة الشخصية والنقد السياسي والاجتماعي، وحوّل من خلالها تجربة فردية إلى شهادة أدبية على مرحلة من تاريخ سوريا.
رحل موسى الحالول، لكن كتبه وترجماته ونصوصه الساخرة تواصل رحلتها بين القراء، حاملةً أثر مترجم رأى في الأدب مساحة للقاء الثقافات، وكاتبٍ استعاد الأمكنة والوقائع والذاكرة بصوته الخاص؛ فبين الرقة وحلب واللاذقية وإسطنبول، بقيت الكتابة وطنه الأوسع، وغدت مؤلفاته سيرة موازية لحياة لم تنفصل عن تحولات سوريا وأسئلتها.