دمشق-سانا
يتجدد حضور الشاعر أبي تمام في المشهد الثقافي السوري مع انطلاق فعاليات مهرجان أبي تمام الشعري في محافظة درعا، احتفاءً بابن مدينة جاسم، أحد أبرز أعلام الشعر العربي في العصر العباسي، وصاحب تجربة أدبية أسهمت في تجديد بنية القصيدة العربية، ورسخت اسمه في ذاكرة الأدب، بفضل ديوانه الشعري وكتابه الشهير “الحماسة”، الذي يعد من أهم مختارات الشعر العربي.
ويعيد المهرجان الذي يحمل اسم الشاعر، تسليط الضوء على إرثه الإبداعي، ودوره في إثراء الثقافة العربية، واستحضار تجربة أدبية ما زالت تحظى باهتمام الدارسين والنقاد بعد أكثر من اثني عشر قرناً على رحيله.
شاعر خرج من جاسم إلى آفاق الثقافة العربية
وتذكر كتب التراجم، وفي مقدمتها “أخبار أبي تمام” لأبي بكر الصولي، و”وفيات الأعيان” لابن خلكان، أن أبا تمام هو حبيب بن أوس بن الحارث الطائي، ولد في بلدة جاسم بحوران جنوب سوريا، وتختلف المصادر في سنة مولده؛ إذ يرجح بعضها أنها كانت سنة 188 للهجرة، بينما تذكر مصادر أخرى أنه ولد سنة 190 للهجرة، وهو اختلاف أثبته أيضاً خير الدين الزركلي في كتابه “الأعلام”، كما تشير الموسوعات الحديثة إلى أن ميلاده كان في أواخر القرن الثاني الهجري.
ويروي الصولي أن أبا تمام انتقل في شبابه إلى مصر، حيث تلقى علوم اللغة والأدب، وبدأ نظم الشعر، قبل أن يرحل إلى بغداد التي كانت آنذاك عاصمة الخلافة والثقافة في العصر العباسي، فلفتت موهبته أنظار الخليفة المعتصم بالله، الذي قرّبه من مجلسه، ليصبح واحداً من أبرز شعراء عصره.
وتذكر المصادر أنه تولى في أواخر حياته ديوان البريد في الموصل، قبل أن يتوفى فيها سنة 231 هـ، بينما تورد أخرى أنه توفي سنة 232 هـ، وهو اختلاف مألوف في كتب التراجم القديمة.
تجربة صنعت منعطفاً في تاريخ الشعر
لم يكن أبو تمام امتداداً للمدرسة الشعرية التقليدية، بل مثّل، وفق عدد من الباحثين، وفي مقدمتهم الدكتور شوقي ضيف، مرحلة جديدة في تطور القصيدة العربية، إذ اعتمد بناءً فنياً يقوم على كثافة المعنى، وابتكار الصورة، والإفادة من علوم اللغة والبلاغة والبديع، ما جعله أحد أبرز رواد التجديد في العصر العباسي.
وقد أثارت تجربته نقاشاً واسعاً بين النقاد؛ فالصولي دافع عن شعره في كتابه “أخبار أبي تمام”، بينما عدّه القاضي علي بن عبد العزيز الجرجاني من أئمة أصحاب المعاني، وأشاد أبو العلاء المعري بعمق تجربته، في حين رأى نقاد آخرون أن لغته تميل إلى الصنعة والإغراب، وهو جدل ظل ملازماً لشعره عبر العصور.
ومع ذلك أجمع الدارسون على أن تجربته تركت أثراً واضحاً في مسيرة الشعر العربي، ولا سيما في شعر البحتري، الذي تتلمذ عليه، ثم في شعر المتنبي، الذي أفاد من كثير من سمات مدرسته الفنية.
قصائد تجاوزت زمنها
وارتبط اسم أبي تمام بعدد من القصائد التي أصبحت علامات في الأدب العربي، وفي مقدمتها قصيدته “في فتح عمورية”، حيث لا تزال هذه القصيدة تعد نموذجاً للشعر السياسي والحماسي في العصر العباسي، كما بقيت أبياته فيها التي قالها في الحكمة تتردد حتى اليوم.
وبين نصوص في المديح والحكمة والوجدان، يرى عدد من النقاد أن هذه النصوص تكشف قدرة أبي تمام على الجمع بين جزالة اللغة وعمق الفكرة، وهو ما منح شعره حضوراً دائماً في كتب الأدب والبلاغة.
الحماسة.. كتاب أنقذ جانباً من التراث العربي
وإذا كان شعر أبي تمام قد وضعه في مصاف كبار الشعراء، فإن كتابه الحماسة جعله أيضاً واحداً من أهم جامعي التراث الشعري العربي.
وتذكر المصادر، ومنها لياقوت الحموي والصولي، أن أبا تمام جمع هذا الكتاب أثناء إقامته في همذان، بعدما حالت الثلوج دون استكمال رحلته، فاستفاد من مكتبة أبي الوفاء بن سلمة، واختار منها نخبة من القصائد والمقطوعات الشعرية.
وجاء الكتاب بمنهج جديد اعتمد ترتيب المختارات بحسب الموضوعات، لا بحسب أسماء الشعراء، فقسمه إلى أبواب، منها: الحماسة، والمراثي، والأدب، والنسيب، والهجاء، والصفات وغيرها، الأمر الذي جعل الكتاب مرجعاً أساسياً في دراسة الشعر العربي.
ويرى الباحثون أن قيمة “الحماسة” لا تكمن في حسن الاختيار فحسب، بل في أنها حفظت نصوصاً كثيرة لشعراء لم تصل دواوينهم كاملة، ولذلك بقيت مرجعاً رئيسياً للباحثين في الأدب العربي حتى اليوم.
كما تنسب المصادر إلى أبي تمام مؤلفات أخرى، منها “الوحشيات”، المعروفة أيضاً بـ “الحماسة الصغرى”، إلى جانب كتاب “فحول الشعراء”، بينما يختلف الباحثون في نسبة بعض المختارات الشعرية الأخرى إليه.
إرث يتجدد مع الزمن
ورغم مرور أكثر من ألف عام على رحيل أبي تمام، لا تزال تجربته موضع دراسة في الجامعات ومراكز البحث، بوصفها محطة مفصلية في تطور الشعر العربي، إذ جمع بين الإبداع الشعري، والرؤية النقدية، وحفظ جانب مهم من التراث الأدبي.
ويأتي الاحتفاء به اليوم من خلال مهرجان أبي تمام الشعري في محافظة درعا يومي الـ 28 و الـ 29 من حزيران الجاري، تأكيداً على مكانته في الذاكرة الثقافية السورية والعربية، واستحضاراً لتجربة شاعر انطلقت من مدينة جاسم لتترك أثراً ممتداً في تاريخ الأدب العربي، ولتؤكد أن الإبداع الحقيقي يبقى قادراً على تجاوز حدود الزمان والمكان، وأن القصيدة التي كتبها قبل قرون لا تزال حاضرة في وجدان الثقافة العربية.