دمشق-سانا
“يا طيبة يا طيبة يا دوا العيانا… اشتقنالك والهوى نادانا”، تلك الأنشودة التي لحنها وكتبها الملحن السوري الجزائري طارق العربي طوقان قبل عقود من الزمن، لم تكن إلا حلقة من سلسلة طويلة من الأناشيد والابتهالات التي تفرد بها السوريون، ليعبروا من خلالها عن اشتياقهم لمهبط الرسالة ومهد النبوة المحمدية.
توثيق الحج الشامي وفنون الأناشيد
تصف الموسوعة العربية ملامح هذا الإرث خلال حديثها عن “طريق الحج الشامي”، مشيرةً إلى أن قافلة الحج كانت تتحرك وسط أجواء احتفالية تشارك فيها مختلف طبقات المجتمع الدمشقي، حيث يجتمع الناس في الميدان التحتاني عند “بوابة الله” لتوديع الحجاج واستقبالهم بالأهازيج والابتهالات ذاتها عند عودتهم.
كما وثقت المجلة العربية في عددها /596/ المعنون بـ “الحج الشامي.. تقاليد عريقة اندثرت”، مشاهد الإنشاد الجماعي الذي كان يرافق توديع الحجاج، إلى جانب العراضة الشامية ورقصات المولوية في استقبالهم بعد العودة.
الإنشاد الديني بين التراث والسنّة
لم يقتصر الإنشاد الديني المرتبط بالحج على كونه جزءاً من التراث الشعبي، بل حظي أيضاً ببعدٍ شرعي، وفق ما أوضحه لمراسلة سانا الباحث الموثق ومدرّس اللغة العربية والعلوم الشرعية عبد الرحمن قصص، الذي أشار إلى أن بعض الكتب الفقهية تحدثت عن استحباب توديع الحجاج بالأذان والإنشاد لما فيه من ذكر لله تعالى.
واستدل قصص بقول أحد خطباء الجامع الأموي وأستاذ معهد الفتح بدر الدين منصور : إن “الإنشاد إرشادٌ منغّم، ولا يوجد فيه إشكال”، مبيناً أن هذا الفن يرتبط بذكر الله وصفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة.
بدوره، أوضح مشرف فرقة لمسات للإيقاع محمد صياح عبد العال أن الإنشاد الديني يبقى فناً هادفاً، ووسيلة دعوية متى التزم بالمضمون الصادق، وخلا من المحرمات، ولم يطغَ على تدبر القرآن الكريم وسماعه.
جذور تاريخية ضاربة في القدم
يعود تاريخ الإنشاد الديني في بلاد الشام، ولا سيما دمشق، إلى قرون طويلة، وفق ما يبين رئيس فرقة المحبين للإنشاد كرم جوهر، مؤكداً أن هذا الفن لم يكن مجرد غناء ديني، بل إرث روحي وفني تشكل مع بدايات الإسلام.
ويشير جوهر إلى أن البدايات الأولى للمدائح والابتهالات ظهرت منذ عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مستشهداً بما كانت تنشده نسوة بني النجار:
“نحن نسوةٌ من بني النجار.. يا حبذا محمدٌ من جار”.
كما يُعدّ الصحابي بلال بن رباح رضي الله عنه، بصوته الندي وإنشاده المؤثر، من أوائل النماذج التي أظهرت جمال الصوت في خدمة المعنى الديني، قبل أن يتطور هذا الفن لاحقاً بالقواعد والمقامات والأوزان، ويرتبط بالجامع الأموي والطرق الصوفية والمواسم الدينية، وفي مقدمتها رحلة الحج.
ويلفت جوهر إلى الدور الذي أداه الشيخ عبد الغني النابلسي في ترسيخ تقاليد الإنشاد في بلاد الشام، قبل أن يشهد هذا الفن تطوراً لافتاً في القرن العشرين مع ظهور الفرق الفنية المتخصصة وافتتاح إذاعة دمشق.
أناشيد ترافق رحلة الحاج
يشرح الباحث قصص كيف رافقت الأناشيد مختلف مراحل رحلة الحج، إذ اعتاد الدمشقيون تنظيم جلسات وداع للحجاج تتخللها التوصيات بالدعاء والأناشيد التي تعبّر عن الشوق والرجاء.
ومن أشهر ما يُؤدّى في وصلات التوديع:
“على بيت الله على بيته”،
و”وديلي سلامي يا رايح للحرم”،
و”تسعد يا من زرت البيت”،
إضافة إلى “يا إمام الرسل يا سندي” و”ما راحتي إلا لقى الأحباب”.
ومع انطلاق القوافل، كانت تتردد أناشيد أخرى مثل:
“الحج وافانا همّوا معانا لنزور نبينا والبيت الحرام”،
و”حثّ الركب يا مدرج الأضعان نحو المدينة وحجرة العدنان”.
أما الطريق إلى المدينة المنورة، فكان يزدان بأناشيد حملت شوق الزائرين، ومنها:
“على طيبة يلا نروح”،
و”يا حمام المدينة”،
و”يا نور النبي”،
و”يمم نحو المدينة”
ويشير قصص إلى أن الأداء خلال الذهاب والإياب من المدينة المنورة كان يراعي هدوء المقامات وانخفاض الطبقات الصوتية احتراماً لقدسية المكان وأجواء العبادة.
وفي أيام الحج، تتجلى أجواء عرفات في قصائد مثل:
“يا راحلين إلى منى بقيادي.. هيجتم يوم الرحيل فؤادي”،
و”عرفنا الحب في عرفات لرب الأرض والسماوات”.
أما بعد انتهاء المناسك، فتصدح حناجر الحجاج بأناشيد العودة، ومنها:
“عبدك يا رباه حج واعتمر”،
و”يا شام فضلك سابق علينا”، التي كانت تُنشَد قبيل عودة القوافل إلى سوريا.
المنشدون الدمشقيون وحفظ الإرث
ارتبطت أناشيد الحج بأسماء منشدين دمشقيين كبار تركوا بصمة واضحة في هذا الفن، ورسخوا تقاليده الفنية والروحية، وفق ما يوضحه رئيس فرقة الجود جودات قشقو، الذي يشير إلى أن دمشق وحلب كانتا من أبرز الحواضر العربية في فن الإنشاد.
ومن الأسماء التي أسهمت في ترسيخ هذا الإرث: مسلم البيطار، وتوفيق المنجد، وسليمان داوود، وحمزة شكور، إضافة إلى رابطة المنشدين التي لعبت دوراً مهماً في حفظ هذا الفن ونقله بين الأجيال.
ويبين قشقو أن بعض ألحان الموشحات والقدود انتقلت إلى الأناشيد الدينية وتداولها المنشدون عبر الزمن، مؤكداً أن كثيراً من هذه الألحان بات جزءاً أصيلاً من التراث الإسلامي الفني.
البنية الفنية والموسيقية
في الجانب الفني، يوضح كرم جوهر أن نصوص أناشيد الحج تعتمد غالباً على الشعر العمودي والموشحات والزجل الفصيح، مع الحفاظ على الوزن والقافية وسلامة اللغة.
وتُؤدى الأناشيد أحياناً دون إيقاع، أو بمرافقة بسيطة للدف والرق، ولا سيما في استقبال الحجاج ووداعهم، فيما تعتمد غالباً على الأداء الجماعي الذي تردّد فيه الجوقة اللازمة أو “الردّة”، بما يعزز الأجواء الروحية والمشاركة الجماعية.
أما جودات قشقو، فيشير إلى أن المنشدين في الشام يستخدمون أحياناً طبقة صوتية تُعرف بـ(الدكاه)، وهي من الدرجات الشائعة في الأداء الإنشادي التقليدي، وأن أهل الشام وحلب تميزوا بصياغة الألحان والكلمات التي لحنها كبار الموسيقيين، مثل زهير منيني وعمر البطش، وانتشرت في العالم العربي والإسلامي.
بدوره، يوضح محمد صياح عبد العال أن الدف ظل الآلة الإيقاعية الأكثر حضوراً في الإنشاد الديني منذ زمن النبوة وحتى اليوم، إلى جانب الرق، لما يضفيه من إيقاع ينسجم مع طبيعة هذا الفن الروحي.
وهكذا، بقيت أناشيد الحج الدمشقية أكثر من مجرد تراث سمعي، إذ تحولت إلى ذاكرة وجدانية تحفظ تفاصيل الرحلة إلى الحرمين، وتختزن ملامح المكان والزمان في طقسٍ روحي واجتماعي ظل جزءاً أصيلاً من حكاية الحج الشامي عبر الأجيال.