دمشق-سانا
تواصلت فعاليات مهرجان أيام الثقافة الكردية في دمشق، حيث قُدِّم العرض المسرحي “الذي لا يأتي”، أمس السبت، على خشبة مسرح مجمع دمر الثقافي، وسط حضور لافت من المهتمين بالشأن الثقافي والمسرحي.
عرض يعكس معاناة اللجوء والانتظار
العرض من تأليف الكاتب رياض عصمت، وإخراج عبد الجابر حبيب، وهو مقتبس عن نص للكاتب المسرحي الإيرلندي صموئيل بيكيت، وأدى البطولة كل من عبد المجيد خلف وعبد الجابر حبيب، بمرافقة فضاء سينوغرافي وإضاءة من إعداد جوان سلو، وأزياء شيرين علي التي تولّت أيضاً ترجمة النص.

وجاء اقتباس العمل بما ينسجم مع الواقع السوري، حيث يتناول حياة اللاجئين داخل مراكز الإيواء وما يرافقها من انكسارات ومعاناة وشعور بالغربة في مدن لا تنتمي إلى ذاكرتهم، وسط انتظار لمصير مجهول يتقاطع فيه الخوف مع الرجاء، فيما يبقى الأمل عنصراً حاضراً في تفاصيل هذا الانتظار.
صراع الأمل واليأس
في هذا النوع من المسرح، لا يحتل الديكور مساحة أساسية، إذ تكفي شجرة وحيدة في مكان مهمّش لتعكس أرواح الشخصيات وما يعتريها من انكسارات، بينما ينتظر البطلان شخصاً ثالثاً لا يأتي أبداً.
الشخصية الأولى تتشبث بالأمل حدّ التعلّق المرضي، منتظرة منقذاً يغيّر مصيرها، وحين يتلاشى هذا الأمل تنهار تماماً، لتطرح في لحظة يأس سؤالاً وجودياً.. هل ستشرق الشمس غداً؟ ألا تشرق الشمس كل يوم؟ ربما لا تشرق غداً.

أما الشخصية الثانية، فهي أكثر التصاقاً بالواقع، وتحاول إقناع رفيقها بأن الإنسان قادر على تغيير واقعه بإرادته الخاصة، لا بانتظار غائب مجهول، وبينما يتخيّل الأول سماع أصوات الذئاب بوصفها عدواً يجب مواجهته، يؤكد له الثاني أن ما يسمعه ليس سوى صوت الريح، محاولاً انتشاله من خوفه ويأسه.
ويتصاعد التوتر بين الشخصيتين، ليصل إلى لحظة مأساوية يقتل فيها الأول صديقه تحت وطأة الغضب والهستيريا، قبل أن يجلس قرب جثته محاولاً إيقاظه، وكأنه يسعى لإعادته إلى الحياة، وفي الخلفية، تعود أصوات الذئاب مجدداً لتغلق الدائرة، وينتهي العرض بسؤال مفتوح لا يُطرح.
معالجة عبثية الحياة وتعزيز الحوار الثقافي
الكاتب القصصي وعضو فرقة المسرح جوان سلو أوضح في تصريح لـ سانا، أن المسرحية تتناول عبثية الحياة والأمل المفقود، مبيناً أن هناك أشياء كثيرة في الحياة تبدو بلا معنى، لكنها تبقى ضرورية، ويحاول الإنسان والمجتمع البحث عنها باستمرار.
وأشار سلو إلى أن المسرحية تُعد أول عرض مسرحي كردي يُقدَّم في دمشق بحرية كاملة، بفضل المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026 المتعلق بالمواطنين السوريين الكرد، لافتاً إلى أن المهرجان يهدف إلى تعزيز الحوار الثقافي السوري، وإبراز الثقافة الكردية لغةً وغناءً وأدباً وقصةً وروايةً وشعراً، باعتبارها جزءاً غنياً من المشهد الثقافي السوري الممتد على كامل الأراضي السورية.
من جانبه، رأى روستو حبيب، من الحضور، أن الاقتباس عن نص بيكيت كان موفقاً للغاية، لأن الانتظار في حياة اللاجئين ليس مجرد فكرة مسرحية، بل واقع يومي ملموس، مشيداً بثنائية الأمل واليأس كما تجسدت في الشخصيتين.
أما غياث رمضان، فلفت إلى أن أكثر ما أثار إعجابه هو السينوغرافيا البسيطة التي جعلت الشجرة تبدو وكأنها “روح ثالثة” في العرض، معتبراً أن العمل يحمل أهمية كبيرة، مؤكداً أن أداء الممثلين كان “مؤلماً وصادقاً”، ولا سيما في مشهد الانهيار الأخير.
وكانت فعاليات مهرجان “أيام الثقافة الكردية” انطلقت في دمشق في الـ 13 من أيار الجاري، بتنظيم من وزارة الثقافة في مجمع دمر الثقافي، وتستمر حتى الـ 17 من الشهر ذاته.





