دمشق-سانا
حين يتهيأ الحاج لرحلته، لا يحمل زاده في حقيبته فقط، بل في قلبه أيضاً، نيةً خالصة، وشوقاً ممتداً، وحاجةً صادقة إلى من يأخذ بيده في دربٍ تتداخل فيه الشعيرة بالمعنى، والعمل بالخشوع.
وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون العلم ترفاً، بل سكينة تستند إليها الخطى، من هنا، يأتي كتاب “دليل الناسك في أحكام المناسك” ليكون أكثر من مرجع، ورفيقاً قريباً، يضيء الطريق للحاج وهو يمضي نحو بيت الله، خطوةً بخطوة، وقلباً بقلب.
من أسئلة الواقع… إلى طمأنينة الجواب
الكتاب الصادر حديثاً عن إدارة الحج والعمرة في وزارة الأوقاف السورية، جاء ثمرة احتكاك مباشر بتجربة الحجاج، جمع فيه مؤلفه رئيس البعثة الدينية لموسم حج 1447هـ، الشيخ عماد الجيلاتي، أكثر من 700 مسألة، استخلصها من أسئلة حقيقية رافقته على مدى خمس سنوات.
ولذلك، حين يقرأه الحاج، لا يشعر أنه أمام نص جامد، بل أمام صوتٍ يجيبه عمّا قد يخطر في باله فعلاً، كما تمنح صيغة السؤال والجواب الكتاب حيوية واضحة، وتقرّب العلم من القارئ، فتجعله مطمئناً وهو يتعلّم، وواثقًا وهو يعمل، وخاصة في لحظات قد تختلط فيها التفاصيل وتكثر فيها التساؤلات.
فقهٌ يرافق الرحلة
لا يقدّم الكتاب الأحكام بمعزل عن مسار الحاج، بل يسير معه في رحلته كاملة، من الاستعداد للسفر حيث تتشكل النية، مروراً بالمشاعر المقدسة وما تحمله من معاني الطاعة والافتقار، وصولاً إلى زيارة المدينة المنورة والعودة بروحٍ مختلفة عمّا كانت عليه البداية.
هذا التدرّج يمنح القارئ إحساساً بأن الكتاب يواكبه لا يسبقه، ويخاطب واقعه لا يفرض عليه ترتيباً نظرياً، وفي الوقت نفسه، يستند إلى بناء فقهي راسخ، يستوعب مذاهب الفقه الإسلامي الأربعة، ويعرض آراء معاصرة في المسائل المستجدة، فيجمع بين الثبات والتجدد، وبين الأصول وحاجات الواقع.
قيمة هذا الكتاب لا تتوقف عند صفحاته، بل تمتد إلى حضوره في الميدان، فهو مادة تدريبية للموجّهين الدينيين في إدارة الحج والعمرة، حيث يخضع المتقدمون لاختبارات تستند إلى مضمونه لنيل صفة “موجّه ديني”، كما يحضر فعلياً على “طاولة الفتوى” في فنادق الحجاج السوريين، حيث يقدّم الموجهون إجابات دقيقة تستند إليه، فتتحول المعرفة فيه إلى خدمة مباشرة للحاج.
من فقه المناسك… إلى سكينة الرحلة

في هذا السياق، يشير الأستاذ عماد الجليلاتي في تصريح لـ سانا الثقافية إلى أن العمل على تطوير “دليل الناسك” لا يزال مستمراً، عبر جمع الأسئلة الميدانية التي يدوّنها الموجّهون خلال موسم الحج في دفتر فتاوى خاص، ثم إخضاعها للدراسة والتحرير العلمي، تمهيداً لإدراجها في الطبعات القادمة، وهكذا يبقى الكتاب متجدّداً، حيّاً، يعكس واقع الحجاج ونوازلهم، ولا يكتفي بوصفها.
في محصلته، لا يقدّم “دليل الناسك في أحكام المناسك” معرفةً فقهية فحسب، بل يمنح الحاج شعوراً بالثقة والطمأنينة، وهو يسير في رحلة تتجاوز المكان إلى المعنى، ويجمع بين دقة التأصيل وقرب التطبيق، فيساعد القارئ على أن يؤدي نسكه بوعيٍ أصفى، وقلبٍ أكثر حضوراً، وخطى أقرب إلى القبول.
ويكتسب “دليل الناسك” أهميته من كونه جزءاً من مشروع تعمل عليه إدارة الحج والعمرة لتوحيد المرجعية الدينية والإجرائية للحجاج السوريين، وخاصة في المسائل المتكررة ميدانياً، فالكتاب يُعتمد في تأهيل الموجّهين الدينيين والإجابة عن أسئلة الحجاج داخل مقار إقامتهم، فيما يتيح تحديثه المستمر أن يتحول إلى سجلّ عملي يوثّق تجربة الحج السورية المعاصرة وأسئلة حجيجها المتبدلة.