دمشق-سانا
في ماضيها الغابر كانت مدينة دمشق تتوشح البياض مع مطلع شوال، وتفتح أبوابها للحجيج القادمين من أصقاع الشرق، فيما ترتفع أصوات التلبية من حاراتها العتيقة، وتتمايل الرايات والمشاعل على وقع الابتهالات والمدائح النبوية.

هناك، في قلب الشام، كان المحمل الشامي يبدأ رحلته المقدسة نحو الديار الحجازية، حاملاً معه عبق الياسمين الدمشقي، وزيوت الشام وعطورها وشموعها، ومحمّلاً بقلوب تواقة لرؤية الكعبة المشرفة، والوقوف على عرفات الله، فالمحمل الشامي لم يكن مجرد قافلة حج، بل ذاكرة روحية وتراثية كبرى اختزلت هيبة الدولة، ومحبة الناس للحرمين الشريفين، وارتباط الشام التاريخي بطريق الحج الذي ظل لقرون أحد أعظم مواسم الفرح والرهبة في وجدان السوريين.
دمشق.. بوابة الحجيج إلى الرحاب المقدسة
توضح الباحثة في التراث الدكتورة نجلاء الخضراء في تصريح لـ سانا، أن أول قافلة للحج خرجت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من المدينة إلى مكة ثم إلى منى وعرفة ومزدلفة ثم العودة إلى المدينة في السنة التاسعة للهجرة عام 631 ميلادية بإمرة أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وضمت نحو ثلاثمئة حاج، لتبدأ بعدها رحلة طويلة من التقاليد الروحية والاجتماعية المرتبطة بهذه الشعيرة الدينية.

وتبيّن الخضراء أن دمشق تحولت بعد انتشار الإسلام، إلى مركز رئيسي لتجمع الحجاج القادمين من بلاد فارس وآسيا الوسطى والأناضول والهند وباكستان وبنغلادش وأفغانستان والعراق وبلاد البلقان، حيث كانت المدينة تستقبل آلاف الحجاج قبل أشهر من موعد انطلاق القافلة.
وكان القادمون ينزلون في زوايا حملت أسماءهم ومواطنهم مثل “زاوية الهنود” في حي السويقة، و”زاوية السنود”، و”زاوية الموصليين” في الميدان، فيما كانت الأسواق الدمشقية تعيش موسماً استثنائياً تعمه الحركة والبركة، وتختلط فيه لهجات المسلمين القادمين من مختلف أنحاء العالم الإسلامي.
وتشير الخضراء إلى أن أعداد الحجاج كانت تتراوح بين عشرين ألفاً وأربعين ألف حاج بحسب الظروف السياسية والاقتصادية والكوارث الطبيعية، وكان الناس يرون في بلوغ الحج والعودة منه سالمين نعمة تستحق الحمد والاحتفال الكبير.
المحمل.. هيبة الحرير وقداسة الطريق
تؤكد الخضراء أن المحمل الشامي كان رمزاً بالغ الهيبة والروحانية، وهو عبارة عن هيكل خشبي تعلوه قبة أو هرم مغطى بالحرير المطرز والأقمشة الفاخرة والمزين بالحلي والنفائس، يحمله جمل مهيب يكسى بالأشرطة الحريرية والزينة المطرزة.

وفي داخل المحمل كان يوضع مصحف أو مصحفان مغطّيان بالحرير، بينما يسير الجمل بخطوات وئيدة وسط التهليل والتكبير وكأن المدينة كلها تودعه بالدعوات والدموع.
وتوضح الخضراء أن المحمل لم يكن وسيلة نقل أو جزءاً من مناسك الحج، بل رمز ديني وسياسي يمثل الدولة الراعية لقافلة الحج، ويعكس قوتها ومكانتها في العالم الإسلامي، ولذلك كان إرسال المحمل شرفاً عظيماً للحاكم الذي يتولى أمر الحرمين الشريفين.
وتلفت إلى أن بعض المصادر تعيد بداية محمل الحج إلى سنة 654 هجرية حين خرجت شجرة الدر زوجة السلطان الأيوبي الصالح أيوب إلى الحج من القاهرة في هودج فاخر، فتحولت تلك الرحلة إلى تقليد سنوي اقتدت به سائر الأقاليم الإسلامية.
أما المحمل الشامي فتعود فكرته إلى السلطان الظاهر بيبرس الذي أرسله لأول مرة عام 1266 ميلادية، حيث أراد من المحمل تأكيد رعاية الشام للأماكن المقدسة وارتباطها الروحي بالحجاز.
أيام الشمع والسنجق.. دمشق تحتفي بالحج
تصف الخضراء احتفالات دمشق بالمحمل بأنها كانت من أعظم المناسبات الشعبية والدينية في المدينة، إذ تبدأ منذ أول أيام عيد الفطر فيما تعرف بمراسم “الزيت والشمع”.

فأمام الجامع الأموي كانت الفرق العسكرية تصطف بلباسها الرسمي وتؤدي التحية لوالي دمشق وكبار رجال الدولة، فيما تُجهّز الزيوت والشموع والعطور التي سترسل إلى الحرمين الشريفين.
وفي اليوم الثاني، المعروف بـ “يوم الشمع”، كانت الجمال تحمل الزيت وماء الورد القادم من بساتين المزة، فيما يحمل الرجال الشموع الملفوفة بالشالات الكشميرية في موكب مهيب يتجه نحو منطقة كفرسوسة.
أما اليوم الثالث فكان “يوم السنجق”، والسنجق كلمة فارسية تعني الراية، وهي راية مزخرفة من المخمل النفيس تحمل أسماء الخلفاء الراشدين وبعض الآيات القرآنية، وتخرج من القلعة باحتفال رسمي كبير.
وفي اليوم الرابع يخرج المحمل الشامي، تتقدمه فرق المنشدين ومشايخ الطرق الصوفية والعلماء والعساكر والفرسان والهجانة، بينما تعبق الطرقات بروائح البخور، وتتعالى أصوات المدائح النبوية والتلبية:
“لبيك اللهم لبيك… لبيك لا شريك لك لبيك”
وتوضح الخضراء أن الموكب كان يجوب أحياء دمشق وسط فرحة عارمة قبل أن يصل إلى حي الميدان ثم إلى قرية القدم حيث جامع العسالي، وهناك يستقر المحمل أياماً حتى تكتمل استعدادات السفر واجتماع الحجاج.
رحلة الصحراء.. تعب الطريق وبركة الوصول
تشير الخضراء إلى أن رحلة الحج الشامي كانت من أشق الرحلات وأكثرها رهبة، إذ تستغرق أربعين يوماً من دمشق إلى المدينة المنورة، ثم عشرة أيام إلى مكة المكرمة، إضافة إلى نحو خمسين يوماً في طريق العودة.
وكان الحجاج يقطعون الصحارى والبراري في ظروف قاسية، لذلك رافقت القافلة مجموعات متخصصة بخدمة الحجيج، منهم السقاة الذين يحملون المياه، والعكّامة أصحاب الجمال والهوادج، والبراكون أصحاب البغال، وحملة المشاعل والخيام.
كما كانت الدولة العثمانية تعقد اتفاقات مع القبائل والبدو الذين يمر بهم طريق الحج لتأمين الحماية للقافلة مقابل الأموال والحبوب والهدايا الفاخرة فيما عرف باسم “الصرة”.
وتوضح الخضراء أن قوافل الحج كانت تتعرض أحياناً لهجمات اللصوص وقطاع الطرق، لذلك تولى “أمير الحج” مسؤولية حماية الحجاج وتأمين سلامتهم، وهي مهمة كانت تعد من أرفع المناصب وأكثرها شرفاً.
عودة الحجيج.. دمشق تلبس الفرح
تبيّن الخضراء أن فرحة الشاميين لم تكن تكتمل إلا بعودة الحجاج سالمين، حيث كانت دمشق تستعد لاستقبالهم بالأهازيج والزينة وإطلاق المدافع من قلعة دمشق إعلاناً لوصول القافلة.
وكان الناس يصطفون على جانبي الطريق من بوابة مصر في منطقة العسالي حتى دار الحكومة، يهللون ويكبرون، فيما تمر القافلة يتقدمها المحمل والسنجق وسط مشهد تختلط فيه الدموع بالفرح.
ومن الطقوس المحببة أن جمل المحمل كان يمر قرب دار سعد الدين في حي الميدان، وهناك يقدم له اللوز والسكر، بينما يتهافت الناس لالتقاط ما يسقط من فمه تبركاً بالمحمل الذي يحمل أعظم شعار للمسلمين.
كما اعتاد الشاميون الاحتفال ثلاثة أيام بعودة الحجاج، فتتزين البيوت والأبواب والنوافذ، ويتبادل الناس “النقوط” والهدايا القادمة من الحجاز كالمسابح وماء زمزم وسجاجيد الصلاة والمسواك، فيما يطلق على العائد من الحج لقب “الحجي” بكل ما يحمله من مكانة روحية واجتماعية.
من سكة الحجاز إلى الطائرات
توضح الخضراء أن رحلة الحج شهدت تحولاً جذرياً مع تطور وسائل النقل، فمع نهاية العهد العثماني أطلق السلطان عبد الحميد الثاني مشروع سكة حديد الحجاز، لتسهيل وصول الحجاج، واستغرق تنفيذ الخط ثماني سنوات قبل أن يتعرض للتخريب خلال الحرب العالمية الأولى.
وفي سبعينيات القرن الماضي استخدمت الحافلات لنقل الحجاج عبر طرق طويلة وشاقة، قبل أن تبدأ الرحلات الجوية من دمشق إلى المدينة المنورة في ثمانينيات القرن الماضي، لتختصر رحلة الأشهر الأربعة إلى ساعات قليلة.
ورغم تبدل وسائل السفر وتغير الأزمنة، بقي المحمل الشامي حاضراً في ذاكرة السوريين بوصفه رحلة إيمان ومحبة وشوق، وواحداً من أجمل المشاهد التراثية التي طبعت تاريخ دمشق، المدينة التي كانت تودّع الحجيج بالدعاء، وتستقبلهم بالدموع والفرح واليقين.