دمشق-سانا
في إطار الجهود الوطنية لصون التراث الثقافي السوري، شكّلت الندوة العلمية الأثرية اللغوية “المشروع الوطني لتوثيق الرقم المسمارية السورية المحفوظة في متاحف سوريا والعالم” التي أُقيمت اليوم الأربعاء في المتحف الوطني بدمشق، محطة مهمة لتسليط الضوء على أهمية صون التراث الثقافي السوري وتوثيقه، بمشاركة باحثين ومتخصصين في اللغات القديمة وعلم الآثار.

وتهدف الندوة التي أقامتها المديرية العامة للآثار والمتاحف إلى تسليط الضوء على أهمية الرقم المسمارية، بوصفها أحد أهم مصادر فهم الحضارة السورية القديمة، وتعزيز حضورها في الأوساط العلمية سورياً ودولياً، إلى جانب مناقشة أحدث الأساليب العلمية في قراءتها وتحليلها وأرشفتها رقمياً، واستعراض التحديات التي تواجه الباحثين في هذا المجال.
وشدد المشاركون خلال الندوة على أهمية تكامل الجهود بين المؤسسات العلمية والبحثية، وضرورة تأهيل كوادر متخصصة قادرة على التعامل مع هذا النوع من التراث الفريد، بما يضمن استدامة المشروع وتحقيق أهدافه على المدى الطويل، إضافة إلى تعزيز تبادل الخبرات وتطوير أدوات البحث والتوثيق، بما يواكب التطورات العلمية الحديثة.
المشروع الوطني لتوثيق الرقم المسمارية

أكد المؤرخ الدكتور محمود السيد خلال محاضرته ضمن محاور الندوة، أن المشروع الوطني لتوثيق النقوش المسمارية السورية يُعد الأول من نوعه الذي يُنفّذ بكوادر سورية خالصة، ويهدف إلى جمع ودراسة النصوص المسمارية الموجودة في متاحف سوريا والعالم، والتي تتناول مجالات متعددة، كالطب والفلك والهندسة والعلاقات السياسية القديمة، بما يسهم في إعادة قراءة التاريخ السوري القديم برؤية علمية دقيقة.
وأوضح السيد أن المشروع يعتمد على منهجية علمية متكاملة تقوم على التصنيف والتوثيق باستخدام تقنيات حديثة، مع التركيز على التصوير والأرشفة الرقمية كركيزة أساسية لحفظ هذا الإرث من التلف أو الضياع، وضمان نقل تفاصيله بدقة، تمهيداً لإعداد تصاميم علمية متخصصة تُنشر تباعاً وتغطي موضوعات متنوعة.
وأشار إلى أن المشروع يشمل آلاف النقوش المسمارية التي تعكس تطور العلوم في الحضارة السورية القديمة، ولا سيما في مجالات الطب وعلاج بعض الحالات، إضافة إلى الفلك والهندسة، إلى جانب توثيق جوانب من الحياة الاجتماعية والسياسية، ما يسهم في تصحيح العديد من المفاهيم وتعزيز القيمة العلمية لهذا التراث.

وبيّن السيد أن المشروع يشكل خطوة مهمة لتعزيز وعي المجتمع، وخاصة لدى الأجيال الجديدة، بأهمية الحفاظ على التراث واستثماره في فهم الحاضر واستشراف المستقبل، لافتاً إلى إمكانية التعاون مع جهات دولية في مراحله اللاحقة، في إطار جهد طويل الأمد يؤكد عمق الحضارة السورية وأهميتها.
توثيق الرقم الطينية وإتاحتها للبحث العلمي
بيّن الدكتور أحمد دياب في قسم الآثار بجامعة دمشق خلال محاضرته أن المشروع الوطني لتوثيق الرقم المسمارية يُعد مبادرة علمية رائدة تقودها كوادر وطنية من المديرية العامة للآثار والمتاحف، بالتعاون مع مختصين وأكاديميين، ويهدف إلى توثيق الرقم الطينية الموجودة في المتاحف السورية، مع السعي للوصول إلى نظائرها في المتاحف العالمية.
وأكد دياب أن المشروع يسعى إلى إتاحة هذه المواد للباحثين والمهتمين، لما تحمله من مضامين علمية غنية تشمل الطب والرياضيات والأساطير، وتعكس تطور الحضارة السورية القديمة وعمقها التاريخي، رغم التحديات المرتبطة بالإمكانات والحاجة إلى كوادر متخصصة.
العقاب السوري رمز حضاري موثق

من الحضور أوضح عدنان تنبكجي، رئيس مجلس إدارة جمعية العادات الأصيلة، في تصريح لـ سانا، أن الملتقيات المرافقة للمشروع تسهم في توثيق الرموز الحضارية السورية، ومن بينها “العقاب السوري” بوصفه رمزاً تاريخياً يعكس ملامح الهوية السورية القديمة، وأشار إلى أن هذه المبادرات تهدف إلى تعزيز الوعي بالخصوصية الحضارية لهذا الرمز، من خلال توثيقه بأعمال علمية وفنية تُترجم إلى عدة لغات، بما يعزز حضوره في المحافل الدولية.
تعزيز مهارات طلاب الآثار وربط المعرفة بالتطبيق
لفت الطالب الأمير محمود بن ربيعة في قسم الآثار بجامعة دمشق إلى أهمية هذه الندوات العلمية في تطوير مهارات طلاب القسم، مؤكداً أنها تتيح لهم التعرف على أساليب التنقيب والبحث الأثري وربط الدراسة النظرية بالتطبيق العملي، بما يسهم في إعدادهم ككوادر بحثية مؤهلة مستقبلاً.
كما أكدت الطالبة لارا العلاوي من القسم نفسه أن الندوة أسهمت في ترسيخ المعلومات العلمية وتوسيع الفهم خارج الإطار الجامعي للطلاب، من خلال الاطلاع المباشر على تفاصيل الآثار السورية وربطها بالممارسة العملية، مشيرةً إلى أهمية هذه التجارب في بناء خبرات أكاديمية وميدانية متكاملة.
وتؤكد هذه المبادرة العلمية أهمية توثيق التراث السوري وإتاحته للأجيال القادمة بأساليب حديثة، بما يسهم في تعزيز حضوره في الأوساط البحثية وترسيخ الوعي بقيمته الحضارية، ودعم الجهود الرامية إلى حفظ الذاكرة التاريخية وصونها.



