دمشق-سانا
من هدوء حي دير بعلبة في مدينة حمص، وحقوله التي تفيض بالورد والخضرة، نبتت الملامح الأولى للتجربة الشعرية للشاعر ياسر الأقرع، حيث وجد في أحضان تلك الأرض الزراعية، منذ طفولته المبكرة في الكلمة الموزونة نافذةً فريدة لرؤية الحياة، وطريقاً أصيلاً للتعبير عن الإنسان والوطنلم تكن الطفولة الهادئة سوى حجر الأساس في مسيرة الشاعر الأقرع، إذ سرعان ما اتسعت تجربته الإبداعية لتصقلها الدراسة الأكاديمية والبحث الأدبي المعمق، واليوم، تقف قصيدته شاهدة على محطات فارقة شكلت هوية شعرية استثنائية خاصة به.
وفي حوار مع سانا الثقافية، يستعيد الأقرع بداياته وتكوينه الأكاديمي، ويتوقف عند دواوينه وتجربته في الغربة، وعلاقته بحمص وسوريا، ورؤيته لدور الشعر في زمن الصورة والسرعة.
دير بعلبة.. البدايات الأولى

يستعيد الأقرع أثر المكان الأول في تكوينه، واصفاً دير بعلبة في سبعينيات القرن الماضي بأنها كانت قرية هادئة وادعة، تتكئ على كتف مدينة حمص من الشرق، تحيط بها الأراضي الزراعية من جهاتها الأربع”، لافتاً إلى أن نساءها كن يتنافسن في زراعة الورد داخل البيوت، وهو ما ترك، بحسب قوله، “أثراً طاغياً” في قصائده على امتداد مسيرته.
ويرد الأقرع الفضل في اكتشاف موهبته الشعرية إلى عمه الأستاذ أحمد الأقرع، الذي استمع إلى كتاباته وهو في الثانية عشرة من عمره، وآمن بموهبته، الأمر الذي جعله، بحسب تعبيره، يبدأ منذ ذلك الوقت “يرى الحياة بعيني شاعر”.
الدراسة.. الشاعر والناقد في صوت واحد
درس الأقرع اللغة العربية في جامعة حمص ونال الإجازة عام 1998، ثم تابع دراساته العليا وحصل على درجة الماجستير بامتياز عام 2003.
ويرى أن الدراسة الأكاديمية أتاحت له الاطلاع العميق على التجارب الشعرية القديمة والحديثة، والمدارس النقدية واتجاهاتها المختلفة، مؤكداً أنها جعلته “شاعراً لحظة الإبداع، ناقداً عند مراجعة ما أكتب”.
ويضيف أن الشاعر يحتاج إلى امتلاك أدوات النقد، لأن مراجعة النص وتمحيصه جزء من عملية الإبداع، معتبراً أن عدم امتلاك الشاعر هذه الأدوات يترك نصه عرضة لنقد خارجي قد لا يرحم.
الدكتوراه.. بين الشهادة والكرامة
كان الأقرع قد شارف على إتمام رسالة الدكتوراه عندما اندلعت الثورة في سوريا، فاختار، كما يقول، بين الحصول على شهادة الدكتوراه والحفاظ على ما يسميه “شهادة الكرامة”، فاختار الثانية، وأصبحت الثورة السورية مركز اهتمامه ومدار نتاجه الشعري.
ويشير إلى أنه فُصل من الجامعة بعد انتشار قصائده المتعلقة بالثورة السورية، معتبراً أن عودته اليوم إلى الجامعة لاستكمال الدكتوراه تمثل بالنسبة إليه “انتصاراً للمبدأ الذي فُصلت بسببه، انتصاراً للثورة ومبادئها قبل أن تكون مجداً شخصياً”.
من القصيدة الأولى إلى سوريّتي
صدر ديوان الأقرع الأول “غداً تمحوكَ ذاكرتي” عام 1998، وهو العمل الذي يصف علاقته به بعلاقة الوالد بولده البكر، قائلاً إنه “قد لا يكون الأفضل لكنَّه الأعمق وجوداً في الروح”.
ويرى أن المسافة بين تجربته الأولى وديوانه الأخير “سوريّتي” تختزل تحولاً فنياً ووجدانياً كبيراً؛ ففي الديوان الأول كان صوته “عفوياً مباشراً شفافاً”، لكنه كان يفتقد بعض الأدوات الفنية، بينما أصبح في “سوريّتي” أكثر نضجاً وقيمة وتأثيراً.
وبعد إصدار سبعة دواوين شعرية وجمعها في “الأعمال الشعرية الكاملة”، يستعيد الأقرع مسيرته منذ الطفولة، حين كان يعرض كتاباته على المحيطين به بحثاً عن الاستحسان، وصولاً إلى مرحلة أصبحت فيها قصائده تتردد على ألسنة الناس، معتبراً أن الطريق كان شاقاً وطويلاً، لكنه “كان يستحق السير فيه العمر كله”.
المنفى.. القصيدة في مواجهة الغياب
غادر الأقرع سوريا عام 2014 واستقر في عمّان، ويصف تجربة الاقتلاع من الوطن بأنها “كانتزاع الروح من الجسد”، مؤكداً أن سنوات المنفى استنزفت العمر بالحسرة والألم، وأن هذه المشاعر تسللت إلى قصائده معنى ولغة وإحساساً.
ويشير إلى أن حضوره الشعري عن سوريا، ولا سيما عن حمص، حمل زخماً عاطفياً كبيراً، وصل في مناسبات عدة إلى حد غلبة الدموع عليه وهو يلقي قصائده على المنابر.
الأقرع الذي قضى سنوات غربته في الأردن، حيث لاقى الاهتمام وحظي بحرية التعبير لمشاعره تجاه وطنه وموقفه من الثورة، مستذكراً تكريمه من الديوان الملكي الأردني بوصفه شاعراً سورياً يمثل بلده وينتمي إلى شعبه.
العودة.. لقاء المكان بالقصيدة
بعد عودته إلى سوريا، لم يتأخر الأقرع في العودة إلى المنابر الشعرية، إذ كان بعد يومين من عودته يقف أمام الجمهور في حماة، طالباً أن تكون أولى قصائده عن حمص.
ويصف تلك اللحظة بأنها لم تكن لقاءً شعرياً فحسب، بل “نفخة روح في جسد مات في المنفى ثم بُعث من جديد”، في تعبير يلخص الصلة الوجدانية التي تربطه بالمكان الأول، وبالمدينة التي حضرت في قصائده خلال سنوات الغياب.
الشعر.. جمال ومسؤولية
يعرّف الأقرع الشعر بأنه “أداة تعبير وتأثير وتغيير، شرطها الجمال”، ويرى أن الشعر مرتبط بوجدان الأمة ومتجذر في أعماق أبنائها، ولذلك سيبقى حاضراً ومؤثراً مهما شهد من مد وجزر.
ويحمّل الشاعر العربي المعاصر مسؤوليتين متكاملتين: أخلاقية، تتمثل في الدفاع عن القيم العليا وفي مقدمتها الحق ونصرة أهله، وفنية، تفرض عليه الاشتغال على قصيدته حتى تبلغ مستوى عالياً من الجودة.
ديوان جديد ومشروع شعري متجدد
عن مشروعاته المقبلة، يقول الأقرع: إنه بعد الحصول على شهادة الدكتوراه سيعود إلى الشعر متلهفاً مشتاقاً”، كاشفاً عن قرب صدور ديوانه الجديد.
وفي اختصار رحلته الشعرية، يضع الأقرع معياراً يراه فاصلاً بين تجربتين، قائلاً: “شاعر يعرف جيداً أنَّ ثمة فرقاً كبيراً بين من يريد أن يحدثَ ضجيجاً ومن يريد أن يبني مجداً”.
سيرة ذاتية
ياسر الأقرع من مواليد حمص عام 1972، درس اللغة العربية ونال إجازتها عام 1998، ثم حصل على درجة الماجستير بامتياز عام 2003.
أصدر سبعة دواوين شعرية، من بينها “غداً تمحوكَ ذاكرتي” و”سوريّتي”، وجمع تجربته في “الأعمال الشعرية الكاملة”، وله اهتمام بالدراسات الأدبية والنقدية، ومن أعماله البحثية “الحب عند شعراء الشام في العصر الأموي”، ارتبطت تجربته الشعرية بالوطن والاغتراب، وله حضور في الأمسيات والفعاليات الثقافية العربية.