دمشق-سانا
تنسج رواية “ليسوا أرقاماً” للكاتب السوري محمد بلال تجربة سردية أقرب إلى السيرة الذاتية، تستعيد واحدة من أكثر الفترات قسوة في التاريخ السوري المعاصر، عبر لغة اعترافية تنطلق من ضمير المتكلم، لتوثّق تحوّلات الإنسان تحت وطأة قمع النظام البائد.
من الحياة اليومية إلى أقبية الاعتقال
تنطلق الرواية من عام 2014، مع تخرّج الكاتب من كلية الحقوق في جامعة دمشق، لتعود بالقارئ إلى بدايات الحراك الشعبي عام 2011، وما رافقه من تحولات عميقة طالت المجتمع السوري.
ومن خلال سيرة عائلة دمشقية تقيم في حي كفرسوسة، يرسم الكاتب ملامح حياة بسيطة، حيث يعمل الأب تاجراً في سوق الحريقة، ويشكّل نموذجاً للإنسان العصامي، فيما يتوزع الأبناء بين الدراسة والعمل، قبل أن تنخرط العائلة تدريجياً في أتون الثورة.
الاعتقال… حين يتحوّل الإنسان إلى رقم
تبلغ الرواية ذروتها مع اعتقال الأب وأبنائه على يد النظام البائد، واقتيادهم إلى أحد الأفرع الأمنية، حيث يواجهون واقعاً قاسياً يتجلى في الاكتظاظ، والجوع، والمرض، والتعذيب، في صورة مكثفة لما عاشه آلاف المعتقلين.
ويقدّم الكاتب وصفاً تفصيلياً للحياة داخل المعتقل، حيث تتلاشى الحدود بين الحياة والموت، ويصبح الإنسان مهدداً بالفناء الجسدي والنفسي، في بيئة تسلبه أبسط حقوقه الإنسانية.
ولا تكتفي الرواية بسرد تجربة الاعتقال، بل تعود لتوثّق بدايات الحراك الشعبي في دمشق، من مظاهرات الأسواق والمساجد، إلى النشاط الطلابي في جامعة دمشق، وصولاً إلى تحولات المشهد نحو العمل المسلح.
ويستعيد الكاتب تفاصيل تلك المرحلة، بما فيها من حماسة الشباب، والصدام مع الأجهزة الأمنية، والتحولات التي فرضها تصاعد العنف، في شهادة تحمل بعداً توثيقياً إلى جانب بعدها الإنساني.
وسط هذا الواقع القاسي، تحضر قصة حب تجمع الكاتب بزميلته، لتشكّل مساحة إنسانية مضيئة داخل النص، حيث يتقاطع العاطفي مع الوطني، ويمنح الحب معنى للصمود والاستمرار.
من السجن إلى المنفى… ومن الألم إلى الكتابة
بعد عام من الاعتقال، يخرج الكاتب مع إخوته، بينما يفقد والده وأخاه، في خسارة تترك أثراً عميقاً في مسار حياته، قبل أن يختار مغادرة البلاد والعيش في الغربة، ويحول هذه التجربة لاحقاً إلى مشروع كتابة، يسعى من خلاله إلى توثيق ما جرى، وإعادة سرد الحكاية من منظور إنساني.
محمد بلال: أردت إعادة الأسماء إلى أصحابها
في تصريح لـ سانا، أوضح الكاتب أنه حاول من خلال الرواية “إعادة الأسماء إلى أصحابها بعد أن حُوّلت إلى أرقام”، مشيراً إلى أن العمل يهدف إلى تذكير القارئ بأن كل رقم يخفي قصة إنسان حقيقي، بكل ما يحمله من مشاعر وتجارب.
وأضاف: إن الرواية ليست مرافعة ولا تأبيناً، بل محاولة لسرد القصة كما عايشها، بوصفها تجربة إنسانية قبل أي شيء آخر.
قراءة نقدية… الإنسان قبل كل شيء
من جانبه، يرى الناقد عبد المجيد عرفة أن الرواية تؤكد أن ضحايا الأحداث لم يكونوا مجرد أرقام، بل أفراد لكل منهم حياته وحلمه وحقه في الوجود.
وأشار إلى أن العمل يحمل قيمة توثيقية مهمة، إذ يسلط الضوء على دور المجتمع الدمشقي في السنوات الأولى من الحراك، مقدماً شهادة من الداخل تسهم في حفظ الذاكرة.
الرواية صدرت حديثاً عن دار نرد للنشر والتوزيع، وتقع في 240 صفحة، وتشكّل إضافة إلى الأدب التوثيقي الذي يسعى إلى حفظ تفاصيل الثورة السورية، عبر سرد يوازن بين الذاتي والعام، ويعيد للإنسان حضوره في مواجهة محاولات اختزاله.