دمشق-سانا
استعاد الكتاب الورقي مكانه في حياة الأطفال داخل أروقة معرض كتاب الطفل، الذي اختتم أمس الأحد، حيث تشكلت ملامح مشهد ثقافي يحاول إعادة التوازن بين دفء القراءة وسطوة التكنولوجيا، في وقت يخوض فيه الأهل ما يمكن وصفه بمعركة تربوية يومية لترسيخ عادة المطالعة في نفوس أبنائهم.
وتبرز في هذا السياق قضية مقاومة الضجيج الرقمي وإعادة بناء علاقة الطفل بالمعرفة والخيال الهادف، بوصفها أولوية لدى الأسر، التي تسعى إلى تحقيق توازن دقيق بين استخدام الوسائل الحديثة والحفاظ على حضور الكتاب، بما يعزز الفضول ويصقل الشخصية منذ المراحل الأولى.
بين فائدة التكنولوجيا ومخاطرها… الأهل يبحثون عن التوازن

في جولة استطلاعية داخل المعرض للوقوف على آراء الزوار من أهالي الأطفال، أوضح سمير عوض أن الهاتف الجوال يمثل سلاحاً ذا حدين، فهو يتيح الوصول إلى المعلومات الحديثة والمواد التعليمية والتكنولوجية، إضافة إلى الخرائط والكتب الصوتية والرقمية، إلا أن سلبياته قد تتجاوز إيجابياته، وخاصة مع ما يسببه من أضرار صحية نتيجة الاستخدام الطويل والتركيز المستمر على الشاشة.
وأشار عوض إلى ضرورة اعتماد أسلوب تربوي متوازن يقوم على المراقبة والإشراف، مع تنظيم استخدام الطفل للهاتف، والعمل في الوقت ذاته على جذبه نحو عالم الكتب، ولفت إلى أنه يحرص على مشاركة أبنائه في اختيار الكتب بما يتناسب مع اهتماماتهم وما يفيدهم، لأن الأسرة تبقى الجهة الأقدر على توجيه الطفل نحو القراءة والحد من الإفراط في استخدام الشاشات.

من جهتها، أكدت عبير غازي أنها تمنح ابنها حرية اختيار الكتاب، مع مراعاة ملاءمته لعمره ومستواه الفكري، معتبرةً أن الكتاب يسهم في بناء شخصية الطفل وتنمية مخزونه المعرفي، وأضافت: إن تجربتها الشخصية مع القراءة منذ الصغر، حين كانت تستعير الكتب من مكتبة المدرسة، دفعتها إلى غرس هذه العادة في أبنائها.
ورأت غازي أنه رغم انتماء الأطفال إلى جيل الوسائط المتعددة، إلا أن مسؤولية الأهل تفرض تشجيعهم على تخصيص وقت أكبر للمطالعة، والحد من الاستخدام المفرط لوسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب مواجهة تشتت الانتباه عبر تنمية الطموح وتعزيز الاهتمام بالقصص والروايات الهادفة، كما شددت على أهمية المعارض والفعاليات الثقافية والفنية في جذب الأطفال إلى عالم القراءة، داعيةً إلى توسيع الأنشطة الصفية التي تشجع على المطالعة في المدارس.
الأسرة… الحاضنة الأولى لعلاقة الطفل بالكتاب

بدورها، رأت ثواب قنزوع أن تعلق الطفل بالكتاب يمكن أن يفوق تعلقه بالهاتف في المراحل المبكرة، شرط توفر اهتمام حقيقي من الأهل، إلى جانب دور المدرسة والمعلمين في ترسيخ قيمة المعرفة عبر الكتاب الورقي.
وأضافت: إنها اعتادت مع أطفالها على تخصيص وقت يومي لقراءة قصة قبل النوم، انطلاقاً من قناعتها بضرورة وضع القراءة في صدارة حياة الطفل.

وفيما يتعلق باختيار الكتب، أكدت أن هذه المسؤولية تقع على عاتق الأهل، وخاصة في السنوات الأولى، مشيرةً إلى أنها حرصت خلال زيارتها للمعرض على انتقاء كتب تتناسب مع أعمار أطفالها واهتماماتهم، فقصص الأنبياء المقدمة لطفلها في عمر خمس سنوات تعتمد على الصور والألوان، بينما تختلف في محتواها وتفاصيلها لابنها ذي الثلاثة عشر عاماً.
ويعكس حضور الأهل في معرض كتاب الطفل الذي أقيم في المكتبة الوطنية السورية خلال الفترة بين الحادي والعشرين والسادس والعشرين من نيسان الجاري، وعياً متزايداً بأهمية الكتاب كأداة ثقافية وتربوية، في مواجهة التحديات التي تفرضها التكنولوجيا الحديثة، بما يؤكد أن بناء جيل قارئ لا يزال مشروعاً ممكناً، يبدأ من الأسرة ويتعزز عبر المدرسة والفضاءات الثقافية.