دمشق-سانا
في مشهد يعكس إصراراً على استعادة مسار التعلم رغم التحديات، تابعت وزارة الثقافة تنفيذ اليوم الثاني من امتحان “التمكين – المستوى الثالث” للمتقدّمين الأحرار عن الربع الثاني من العام 2026، وذلك في عدد من المراكز المعتمدة في المحافظات، من بينها المركز الثقافي في كفرسوسة بدمشق، ضمن برنامج وطني يهدف إلى دعم تعليم الكبار، وتعزيز فرصهم في استكمال مسيرتهم التعليمية.

وجاءت الامتحانات بعد استكمال مديرية تعليم الكبار والتنمية الثقافية جميع التحضيرات، بإشراف لجنة امتحانية مركزية تولّت إعداد الأسئلة وتصحيحها وتدقيقها، في أجواء تنظيمية دقيقة ضمنت حسن سير العملية الامتحانية.
وفي إحدى القاعات، جلس متقدّم تجاوز الثلاثين يراجع أوراقه بهدوء، بعد سنوات من الانقطاع عن الدراسة، وقال: “هذه الفرصة تعني لي الكثير… أشعر أنني أبدأ من جديد”، ليلخص هذا المشهد البعد الإنساني الذي يحمله البرنامج، إلى جانب أهدافه التعليمية.
تنظيم احترافي ورسالة تعويض علمي

وشهد اليوم الثاني جولةً لمعاون وزير الثقافة أحمد الصواف على المركز الامتحاني في كفرسوسة، اطّلع خلالها على سير الامتحانات وآلية تنظيمها، والتقى الكوادر والمشاركين.
وأوضح الصواف أن الامتحانات تتم وفق برنامج معلن عبر منصة إلكترونية تتيح للمتقدّمين الاطلاع على شروط التسجيل والمقررات والمواعيد، مؤكداً أن “الإجراء المتخذ منظم واحترافي”.

وأضاف: “نحن فخورون بالمتقدمين، ومعظمهم من كوادر وزارتي الدفاع والداخلية، الذين حُرموا من استكمال تعليمهم نتيجة الظروف التي مرت بها البلاد، واليوم نعمل على تمكينهم علمياً وتعويض ما فاتهم”.
وبيّن الصواف أن الامتحانات تُنظَّم أربع مرات سنوياً، وتتيح للناجحين التقدّم لاحقاً إلى شهادة التعليم الأساسي بالتعاون مع وزارة التربية والتعليم، وصولاً إلى إمكانية متابعة الدراسة الجامعية.
برنامج وطني للتعليم المستدام مدى الحياة

لا يقتصر برنامج “تمكين الكبار” على محو الأمية، بل يتجاوز ذلك نحو بناء مسار تعليمي متكامل قائم على مفهوم التعلم المستدام.
ويشمل البرنامج مناهج متنوعة في اللغات العربية والأجنبية والرياضيات والعلوم والمعلوماتية، في إطار رؤية أوسع للتنمية الثقافية والتعليم مدى الحياة.
من التعليم إلى سوق العمل وإعادة الإعمار

من جانبه، أوضح مدير تعليم الكبار والتنمية الثقافية محمد عارف قسوم أن امتحان “التمكين” يشكّل المستوى الثالث من أصل خمسة مستويات، ويستهدف من تجاوزوا سن التعليم الإلزامي.
وأشار إلى أن عدد المسجلين تجاوز 1500 متقدّم في مختلف المحافظات، منهم نحو 550 في دمشق، ما يعكس إقبالاً جيداً وثقة متزايدة بالبرنامج.

وبيّن قسوم أن المستويات التعليمية تبدأ بالتأسيس ثم التثبيت فالتمكين، يليها التعميق، وصولاً إلى “التمهين”، الذي يركّز على التدريب المهني، حيث يتم تعليم نحو 20 مهنة مرتبطة باحتياجات سوق العمل، ولا سيما في مجالات إعادة الإعمار.
وأضاف: إن تطوير المناهج مستمر، بمشاركة 31 أستاذاً جامعياً، وقد أُنجز نحو 60% منها بما يواكب متطلبات التعليم الحديث واحتياجات المجتمع.
ويعكس هذا البرنامج توجهاً حكومياً لإعادة دمج الأفراد في العملية التعليمية وتحويلهم إلى طاقات منتجة، قادرة على الإسهام في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتأكيد فكرة أن التعليم ليس مرحلة عمرية، بل مسار مستمر يمنح الإنسان فرصة جديدة مهما تأخر الزمن.
