دمشق-سانا
يُعد عالم الآثار السوري الألماني البروفيسور مأمون فنصة من أبرز الأسماء التي تركت حضوراً علمياً وثقافياً في مجالات علم الآثار وما قبل التاريخ، إضافة إلى إسهاماته في توثيق التراث الإنساني والتعريف بالهوية الحضارية السورية على المستوى الدولي.
وبرحيله في الـ 10 من نيسان 2026 الجاري في مدينة برلين الألمانية عن عمر ناهز 80 عاماً، تُستعاد مسيرته العلمية التي امتدت لعقود، والتي أسهم خلالها في تطوير البحث الأثري، وتعزيز حضور التراث السوري في المحافل العالمية، وذلك وفق ما أوردته مصادر ثقافية وأكاديمية.
من حلب إلى الجامعات والمتاحف العالمية
وُلد فنصة في مدينة حلب عام 1946، حيث تشكّل شغفه المبكر بالآثار، قبل أن يغادر إلى ألمانيا عام 1967 لمتابعة دراسته، وتخصص في عصور ما قبل التاريخ والتاريخ المبكر، ونال درجة الدكتوراه عام 1979، ليبدأ بعدها رحلة علمية حافلة بالبحث والتدريس والعمل المتحفي.
شغل منصب مدير متحف الطبيعة والإنسان في مدينة أولدنبورغ لسنوات طويلة، كما عُيّن أستاذاً فخرياً في جامعة أولدنبورغ، وأسهم في تأسيس الجمعية الأوروبية لتعزيز علم الآثار التجريبي، إضافة إلى مشاركته في العديد من المشاريع العلمية الدولية.
إرث علمي يوثّق الإنسان والمدينة عبر الزمن
ترك فنصة إرثاً علمياً واسعاً، تمثل في أكثر من 160 كتاباً ودراسة متخصصة في علم الآثار، ركّز فيها على تاريخ الشرق الأدنى والتطور الحضري، ولا سيما مدينة حلب.
كما عُرف بأبحاثه في إعادة بناء الوجوه البشرية من عصور قديمة، حيث أسهم في مشاريع علمية لإعادة تشكيل ملامح بشرية تعود إلى قرون ما قبل الميلاد، إضافة إلى إشرافه على أعمال توثيقية مهمة، من أبرزها مشاريع توثيق التطور الحضري لمدن سورية عبر آلاف السنين.
حلب في قلب مشروعه.. وفاء لم ينقطع رغم الغياب
ولم تغب مدينة حلب عن وجدان فنصة رغم سنوات الاغتراب، إذ كرّس جانباً كبيراً من عمله لدراسة تاريخها المعماري والثقافي، وأسهم في إعداد مخططات ومبادرات لإعادة إعمار المدينة القديمة بعد ما تعرضت له من دمار.
كما أطلق مبادرة علمية بعنوان “استراتيجيات إعادة إعمار حلب”، عمل من خلالها على توثيق المعالم التاريخية، وإنشاء أرشيف رقمي يساهم في الحفاظ على هوية المدينة وذاكرتها.
وفي تصريح لـ سانا الثقافية، قال الباحث الدكتور علي حافظ رفيق الراحل في الغربة: “غادر مأمون فنصة سوريا في سن مبكرة، لكن حبه لمسقط رأسه حلب لم ينقطع يوماً، وظل ملازماً له طوال حياته، حيث عمل مع خبراء دوليين على إعداد دراسات واستراتيجيات لإعادة بناء المدينة القديمة والحفاظ على تراثها، مقدماً العديد من الندوات والمشاريع في هذا المجال”.
رؤية ثقافية تربط العمارة بالهوية الإنسانية
عُرف فنصة برؤيته التي تربط بين العمارة والهوية الثقافية، حيث أكد أن المعالم التاريخية في حلب ليست مجرد أبنية، بل فضاءات للتلاقي الاجتماعي والثقافي.
ورأى أن إعادة إعمار مواقع مثل الجامع الأموي والخسروية تمثل استعادة للهوية الثقافية، وعودة لروح المدينة التي شكّلت عبر قرون نموذجاً للتعايش والتفاعل الإنساني.
كما تنوعت مجالات عمله بين البحث الأكاديمي وإدارة المتاحف وتنظيم المعارض العلمية، حيث أشرف على معارض دولية متخصصة في علم الآثار التجريبي، وأسهم في تطوير مفاهيم عرض التراث وربطه بالتجربة الإنسانية، إلى جانب رئاسته مجلس إدارة جمعية أصدقاء مدينة حلب القديمة.
ويشكّل إرث البروفيسور مأمون فنصة علامة بارزة في مسار علم الآثار، بما تركه من إسهامات علمية وثقافية أسهمت في صون التراث وتعزيز الوعي بقيمته الإنسانية.