دمشق-سانا
رغم انتشار الأفران ومحال الحلويات في المدن السورية، لا يزال كثير من السوريين يفضلون إعداد حلويات العيد في منازلهم، في مشهد يعكس تعلقاً بطقوس متوارثة تتجاوز فكرة الشراء الجاهز، فداخل البيوت، لا تُصنع الحلوى فقط، بل تُستعاد تفاصيل من الذاكرة، وتُبنى لحظات تشارك عائلية تمنح العيد معناه الخاص.
ومع اقتراب العشر الأواخر من شهر رمضان، تعود صناعة حلويات عيد الفطر لتحتل مكانها في قلب الحياة اليومية، في مشهد يختلط فيه العمل بالفرح، والتقاليد بالحاجة.
وللحديث عن هذا الموضوع توضح الباحثة في التراث الدكتورة نجلاء الخضراء لسانا، أن صناعة حلويات العيد تتجاوز كونها مجرد وصفات ومكونات، فهي طقس اجتماعي بنكهة التاريخ ورائحة الأرض، توارثته النساء جيلاً بعد جيل، مشيرةً إلى أن هذا التقليد يعكس فرحة العيد حتى قبل قدومه، من خلال أجواء جماعية تتناغم فيها طرقات القوالب مع غناء النسوة.
المعمول… تاريخ من الرمزية والاحتفال
ترى الخضراء أن المعمول، الذي يعد من أبرز رموز العيد، يحمل جذوراً تاريخية عميقة، إذ عرفه السوريون القدماء وقدموه كـ“لقيمات مباركة”، كما ظهر في العهد البيزنطي بأشكال رمزية ذات دلالات دينية، وتضيف: “في العصور الإسلامية تطورت صناعته وصُنعت له قوالب خاصة، حتى أصبح مع مرور الزمن من أبرز مظاهر الاحتفال بالعيد قبل أن ينتقل في القرن التاسع عشر من الأسواق إلى البيوت، ليغدو جزءاً من الطقوس العائلية”.
ولا يقتصر الأمر على المعمول، إذ تشير الخضراء إلى أن الحلويات الشرقية الأخرى تعود بجذورها إلى العهد الآشوري، حيث ظهرت أشكال بدائية من رقائق العجين المحشوة بالمكسرات والعسل، قبل أن تزدهر لاحقاً في مدن مثل دمشق وحلب، بأصناف متعددة كالبقلاوة و“زنود الست” و“عش البلبل”.
“لمة النسوة”… حين يصبح المطبخ مساحة للذاكرة
في أحد منازل حي الشيخ سعد بدمشق، تجسد الجدة هدى عبد الله هذا المشهد، حيث تجتمع مع بناتها وحفيداتها حول صينية كبيرة من العجين المحشو بالتمر والجوز والفستق الحلبي، وتقول: “إن هذا الطقس ليس مجرد إعداد للحلويات، بل مناسبة لالتقاء العائلة وتبادل الأحاديث والذكريات”، مضيفةً: إن صناعة المعمول في المنزل أصبحت ضرورة بعد ارتفاع أسعار الحلويات الجاهزة، لكنها في الوقت نفسه تعيد للعيد نكهته الأصيلة.
وتتفق هذه الصورة مع ما تشير إليه الخضراء حول “لمة النسوة”، التي تعد من أبرز سمات هذا الطقس، حيث تجتمع النساء من الأقارب والجيران لأيام متتالية، يتشاركن العمل ويتبادلن القصص، بينما يترقب الأطفال خروج أولى القطع من الفرن، كما كان للفتيان والفتيات دور في نقل الصواني إلى الأفران، في مشهد يعكس روح التعاون الأسري.
بين الغلاء والحنين… العودة إلى المطبخ خيار اقتصادي
لكن هذا الطقس، الذي يحمل بعداً اجتماعياً وثقافياً، بات أيضاً يحمل بعداً اقتصادياً متزايداً، فمع ارتفاع أسعار الحلويات الجاهزة خلال السنوات الأخيرة، اتجهت العديد من الأسر إلى إعدادها في المنزل كخيار أقل تكلفة، ويقول وحيد عقيلي أبو يزن، وهو موظف في إحدى الدوائر الحكومية: إن هذا التوجه “لم يعد مجرد تقليد، بل تحول إلى حل اقتصادي فعلي”، موضحاً أن أسعار البرازق والغريبة والكعك الجاهز “ارتفعت بشكل كبير”، ما دفعه مع زوجته إلى تخصيص يوم كامل قبل العيد لإعداد ما يكفي العائلة.
ويضيف: إن تحضير البرازق في المنزل “يوفر نصف التكلفة تقريباً”، فضلاً عن إمكانية التحكم في جودة المكونات، وهو ما يمنح العائلة شعوراً بالرضا والاطمئنان، فيما تشير هدى عبد الله بدورها إلى أن تكلفة الكيلو الواحد من المعمول المنزلي تقل كثيراً عن سعره في الأسواق، ما يجعل هذا الخيار مفضلاً لدى الكثير من الأسر.
وتوضح الخضراء أن السوريين انقسموا تاريخياً بين من يفضلون صناعة الحلويات في المنزل ومن يعتمدون على شرائها من الأسواق، لافتةً إلى أن تسعينيات القرن الماضي شهدت ازدهاراً في شراء الحلويات الجاهزة، وخاصة من أسواق دمشق مثل سوق الميدان، الذي اشتهر بجودة منتجاته، إلا أن ارتفاع الأسعار في السنوات الأخيرة أعاد كثيرين إلى المطبخ، ولو بكميات محدودة.
من تقليد منزلي إلى فرصة اقتصادية جديدة
رغم بساطة هذا النشاط ظاهرياً، إلا أنه يقوم على خبرات دقيقة تراكمت عبر الأجيال، وتؤكد الخضراء أن جودة الكعك والمعمول تعتمد على تفاصيل مثل اختيار نوع الدقيق المناسب، وطريقة “قدح السمن” التي تمنح العجين قوامه المميز، وتضيف: “كانت الجدات يحرصن على تسخين السمن بدرجة معتدلة قبل سكبه على الدقيق، ثم يترك العجين ليرتاح لساعات فيما يعرف بـ(بث الطحين)، كما كن يتجنبن استخدام الحليب للحفاظ على جودة الحلوى لفترة أطول.
وتلعب القوالب أيضاً دوراً في هذه العملية، إذ كانت القوالب الخشبية تحمل زخارف تميز كل بيت، إلى جانب استخدام “المنقاش” لنقش الزخارف يدوياً، ورغم ظهور القوالب الحديثة، لا تزال هذه الرموز التقليدية حاضرة، ومحافظة على روح التراث وفق الخضراء.
كيف يعيد الشباب إحياء طقوس العيد
في المقابل، ترى الشابة راما اسماعيل، وهي طالبة جامعية، أن صناعة الحلويات تمثل أيضاً فرصة للأجيال الجديدة للتواصل مع هذا الموروث، وتقول: إنها “فرصة لإحياء الموروث الشعبي وتعلم وصفات الجدات”، مشيرةً إلى أن وسائل التواصل الاجتماعي أسهمت في نشر وصفات مبسطة شجعت الشباب على خوض هذه التجربة.
وتلفت إلى أن بعض النساء بدأن بتحويل هذه المهارة إلى مصدر دخل، من خلال بيع الحلويات المنزلية عبر الإنترنت أو ضمن شبكات اجتماعية محلية، مؤكدةً أن “الإقبال على هذه المنتجات كبير لأنها تجمع بين الطعم التقليدي والسعر المقبول”.
ولا تكتمل طقوس العيد دون تبادل أطباق الحلويات بين الجيران والأقارب، في تقليد يعكس روح المحبة والتكافل الاجتماعي، وفي هذا الصدد توضح الخضراء أن العائلات كانت ترسل جزءاً من الحلوى كهدايا ومعايدات، إضافة إلى تخصيص حصة توزع صباح العيد على روح الأموات، في تعبير رمزي عن مشاركة الفرح مع الغائبين.
وتختم الخضراء حديثها بالقول: “إن طقس صناعة الكعك ليس مجرد عادة موسمية، بل هو تعبير عن التمسك بالهوية وحب الحياة، إذ تبقى رائحة المعمول المنتشرة في البيوت علامة على استمرار الفرح، مهما تبدلت الظروف”.
وفي بلد اعتاد أن يصوغ الفرح من تفاصيله اليومية، تبدو حلويات العيد أكثر من مجرد طعام يُقدَّم للضيوف؛ إنها تعبير حي عن قدرة السوريين على التمسك بعاداتهم رغم كل الظروف.