دمشق-سانا
بدأت الحكاية الأولى للشاعر والكاتب السوري عيسى الشيخ حسن من رفٍّ أخضر في بيتٍ بسيط، بقرية الحرملة في ريف الرقة التي غمرتها المياه، حيث شكّل مكتبة صغيرة ضمت 11 كتاباً كانت البذرة الأولى لوعيه الأدبي المبكر.
من تلك البدايات، انطلقت رحلة طويلة للشيخ حسن امتدت من الشعر إلى السرد والصحافة الثقافية، لتصنع له حضوراً لافتاً في المشهد الأدبي السوري والعربي.
في هذا الحوار مع سانا الثقافية، يستعيد الشيخ حسن محطات تجربته الأدبية والإنسانية، ويتحدث عن بداياته الأولى، وتحولاته الإبداعية، ورؤيته لدور الثقافة في سوريا.
مرحلة البدايات واكتشاف الأدب

يقول الشيخ حسن الذي يقيم في قطر حالياً: “إن مكتبته الصغيرة في منزل العائلة كانت البدايات الأولى لتكوّن وعيه الثقافي، ومدخله الأول إلى عالم القراءة، قبل أن تتسع آفاقه مع مجلات ثقافية مثل مجلة العربي وغيرها، إضافة إلى حضور عوالم السرد الشعبي في ذاكرته المبكرة من خلال “ألف ليلة وليلة”، وسير بني هلال، وتغريبة بني هلال، وحمزة البهلوان، والزير سالم، وهي نصوص أسهمت في بناء مخيلته الأدبية.
ومع انتقاله إلى المدينة، بدأت علاقته بالكتب تتعمق أكثر، حيث تعرّف إلى مكتبات المدارس، وبدأ يقتني من ماله القليل كتباً جديدة أسهمت في توسيع أفقه القرائي، فقرأ في تلك المرحلة لعدد من كبار الأدباء، مثل نجيب محفوظ، والطيب صالح، وعبد السلام العجيلي، ومراد السباعي، وفارس زرزور، كما اطّلع على أعمال عالمية لكتّاب مثل أرنست همنغواي، ومكسيم غوركي، قبل أن يتجه لاحقاً إلى الشعر الحديث، ويقرأ تجارب محمود درويش، ونزار قباني، وغيرهما.
الشعر أولاً.. ثم الطريق إلى السرد
يوضح الشيخ حسن أن الشعر كان بوابته الأولى إلى الكتابة، إذ بدأت قصائده بالتشكل في سن مبكرة، وظهرت ملامح قصيدته، وهو في العشرين من عمره، ويشير إلى أن أستاذه حسين العساف في معهد إعداد المعلمين كان أول من تنبّه إلى موهبته.
الشيخ حسن الذي نال إجازة في قسم اللغة العربية من جامعة حلب عام 1990، وعلى دبلوم التربية، وعلم النفس عام 1993، فاز عام 1998 بجائزة عبد الوهاب البياتي عن ديوانه الأول “أناشيد مبلّلة بالحزن”، فأمده ذلك بالثقة، وفتح أمامه باب الحضور الأدبي، تلاها جائزة الشارقة للإبداع عام 2001 عن ديوان “يا جبال أوّبي معه”، ثم جائزة عكاظ لأفضل قصيدة عام 2005.
وأصدر الشيخ حسن أربعة دواوين في شعر التفعيلة، وهي “أناشيد مبلّلة بالحزن” (1998)، “يا جبال أوّبي معه” (2001)، “أمويون في حلم عباسي” (2005)، “مرّوا عليّ” (2015).
لاحقاً، اتجه إلى قصيدة النثر في ديوانه “حمام كثيف” الصادر عام 2016، قبل أن ينتقل إلى عالم السرد الروائي، فأصدر روايات “خربة الشيخ أحمد” (2021)، و”سرديات رمضان” (2022)، و”العطشانة” (2024).
بين التدريس والصحافة
عمل الشيخ حسن في التدريس، وهي المهنة التي منحته استقراراً وظيفياً، رغم أنها حدّت أحياناً من مشاركاته في الفعاليات الأدبية، لكنه يرى أن هذه التجربة أتاحت له الوقت للتأمل، والإتقان.
كما خاض تجربة الصحافة الثقافية، فكتب زوايا في صحيفتي الوطن، والشرق القطريتين بين عامي 1999 و2017، ونشر في عدد من الصحف، والمواقع العربية مثل الجزيرة نت، والقدس العربي، والدستور الأردنية، ومجلة الدوحة، وغيرها، كما تولّى أمانة تحرير جريدة الأسبوع الأدبي السورية.
إلى جانب ذلك، عمل مدققاً لغوياً في قناة الجزيرة للأطفال عام 2007، كما شارك في تدقيق منهاج العلوم الشرعية في دولة قطر عام 2015، وأسهم في إعداد، وتصحيح الاختبارات الوطنية الشاملة.
صدى التجربة.. ورؤية للمستقبل الثقافي
حظيت تجربة الشيخ حسن باهتمام نقدي ملحوظ، إذ تناولها عدد من الباحثين، والنقاد في دراسات وكتب، كما أُنجزت رسالة ماجستير حول التماسك النصي في ديوانه مرّوا عليّ، وصدر عن تجربته كتابان هما “رحلة الشاوي” و”سادن الريح والمواويل”، إضافة إلى مقالات نقدية، كتبها أدباء وباحثون عن تجربته.
ويرى الشيخ حسن أن المرحلة الجديدة في سوريا يمكن أن تشكل فرصة حقيقية لإعادة تنشيط الحياة الثقافية، وإعادة الاعتبار للأقلام المبدعة، والفضاءات الثقافية الحرة، مؤكداً أن الثقافة الجادة القائمة على الاعتراف بالتنوع والانفتاح، قادرة على أن تكون رافعة للمجتمع، وأن تعيد للكتاب والجريدة والمنبر الأدبي، وصالات السينما دورها في التعبير عن الإنسان السوري.
وعيسى الشيخ حسن واحد من رموز جيل التسعينيات في الأدب، والشعر السوري الذي شهد انحسار الإيدلوجيات فركز على تجربته الفردية، والحياة اليومية، ثم جاءت تجربة الهجرة والبعد عن الوطن لتعطيه المزيد من الحنين للأرض، والانتماء لها.




