دمشق-سانا
شهد سوق السويقة في دمشق تحولاً جذرياً خلال العقود الأخيرة، إذ انتقل من كونه أحد أقدم الأسواق الحرفية المتخصصة بصناعة النحاسيات والخشب وأدوات الزراعة اليدوية، إلى سوق نشط للأجهزة الكهربائية والإلكترونيات والطاقة البديلة، بفعل التطورات التقنية والمتغيرات الاقتصادية والاجتماعية التي أعادت رسم ملامحه ودوره في الحياة اليومية.

ويقع سوق السويقة بين سوق الغنم وباب مصلى، ويعود تاريخه إلى أكثر من خمسة قرون منذ العهد المملوكي. ويوضح محمد بركات، أحد سكان المنطقة، في تصريح لـ سانا، أن السوق كان يشتهر لعقود طويلة بصناعة النحاس والخشب، قبل أن تتراجع هذه الحرف تدريجياً، ليبقى منها عدد محدود من المحال، بينما حلّت مكانها تجارة التكنولوجيا التي باتت أكثر طلباً وأقل كلفة مقارنة بالمهن التقليدية.
تحولات اقتصادية واجتماعية في السوق
وأشار صاحب محل النحاسيات صلاح الكاني إلى أن ارتفاع أسعار المواد الأولية والمنافسة مع المنتجات المستوردة دفعا كثيراً من الحرفيين إلى ترك مهنتهم والاتجاه نحو التجارة الحديثة، مؤكداً أن التحول لم يكن اقتصادياً فقط، بل شمل البنية الاجتماعية للمهنة، مع انتقال الأبناء إلى مجالات جديدة كالهندسة والبرمجة.

من جهته، أوضح الحرفي باسم حورية أن مهنة النحاس تُعد من أقدم الحرف في سوريا، إذ تعود إلى الألف الثالث قبل الميلاد وازدهرت في العهدين الأموي والعثماني، إلا أن استخدامها تراجع خلال القرن العشرين بسبب ارتفاع تكلفتها وصعوبة صيانتها، ما أدى إلى استبدالها بمواد أخرى كالألمنيوم والستانلس ستيل.

وبيّن الحرفي محمد طاهر خطاب أن صناعة النحاس تحولت من عمل يدوي كامل إلى إنتاج يعتمد على الآلات الحديثة، ما غيّر طبيعة المهنة وأضعف حضورها في السوق. كما أكد الحرفي أحمد بحصاص، صاحب محل خشبيات، أن غلاء الأسعار وسرعة الإنتاج الآلي والمنافسة الخارجية أدت إلى تراجع الطلب على المنتجات الخشبية اليدوية، ودفع العديد من الحرفيين للتفكير في تغيير مهنتهم.
ويعكس واقع سوق السويقة التحول العميق الذي فرضته التكنولوجيا على الأسواق التراثية في دمشق، إذ أصبح اليوم أحد الأسواق الأساسية لبيع التكنولوجيا والأدوات الكهربائية، في مقابل تراجع الحرف اليدوية التي شكلت هويته التاريخية، وبين متطلبات العصر والحفاظ على الذاكرة الحرفية، تبقى السويقة شاهداً على تغير الزمن وتحول المهنة.
يُذكر أن كلمة “السويقة” هي تصغير لكلمة “سوق”، وهو جزء من حي يحمل الاسم نفسه، ويضم أكثر من 200 محل تجاري، وكان يُعرف قديماً بالميدان التحتاني، ويضم قصوراً وحارة كانت تُعرف بحي المغاربة نسبة إلى سكانها الذين وفدوا إلى دمشق منذ القرن الأول للهجرة.




