دمشق-سانا
تمثل مسيرة الدكتور عدنان وحود نموذجاً حياً للتجربة العلمية السورية، التي انطلقت من بيئة النسيج التقليدية في دمشق، ووصلت إلى آفاق عالمية في البحث والابتكار، ليعود اليوم بخبراته واختراعاته وأبحاثه واضعاً إياها في خدمة الشباب السوري، إيماناً منه بدورهم في بناء المجتمع في سوريا الجديدة.
من مقاعد الدراسة إلى البحث العلمي والصناعة
ولد الدكتور عدنان وحود في دمشق عام 1951، في أسرة مكونة من ثمانية أولاد، وكان والده يعمل في حرفة النول العربي، ما منح وحود بدايةً مبكرة للاطلاع على الحرفة والصناعة التقليدية في سوريا.
ويقول الدكتور وحود في حديث مع سانا: “رحلتي العلمية بدأت من مقاعد الدراسة الثانوية في سوريا، قبل أن انتقل إلى ألمانيا طالباً جامعياً، وأتدرج لاحقاً في المسار الأكاديمي لأعمل مهندس أبحاث، وصولاً إلى نيل درجة الدكتوراه والانخراط في البحث العلمي”.
ويوضح وحود أن عمله لاحقاً في المجال العلمي الصناعي، ولا سيما في تطوير الآلات على المستوى العالمي، جاء امتداداً لتجربة مبكرة اكتسبها من عمله مع والده في النسيج بدمشق، وهي تجربة وفرت له خلفية تكنولوجية نظرية وعملية في حرفة النسيج، ومهدت له طريقاً خاصاً أثمر أبحاثاً واختراعات متعددة.
ويضيف: دراستي في ألمانيا أسهمت في ترسيخ تفكير علمي ومنهجي قائم على دراسة معمقة لعلوم الميكانيك والكهرباء والفيزياء والكيمياء والرياضيات، ما جعلني أربط بين المعرفة العلمية والواقع الاجتماعي والثقافي.
ويشير وحود إلى أن تطوير أي مشروع علمي يتطلب من الباحث امتلاك خلفية تكنولوجية إلى جانب التكوين العلمي، وإتقان اللغة العلمية للبلد الذي يعمل فيه، إضافة إلى الجدية والمثابرة، ومتابعة التطورات الجارية، وفهم الابتكارات على المستويات العلمية والتكنولوجية والصناعية ضمن مجاله.
الشباب السوري.. الابتكار بالمعرفة والارتباط بالثقافة
يوجه وحود نصيحة للشباب السوري الطامح للابتكار، قائلاً: “إن عليهم السعي الجاد للمعرفة وتطوير أفكارهم دون الانفصال عن مجتمعهم لأن التقدم الحقيقي لا يقوم على تقليد الآخرين، بل على فهم الذات والانطلاق منها بروح علمية منفتحة، وفهم ما يجري في العالم واستغلال الأدوات المتاحة، مع توجيه الإبداع ضمن قواعد سليمة وعدم الاكتفاء بالسعي المباشر للاختراع”.
العمل الإنساني خلال الثورة السورية
مع انطلاقة الثورة السورية سعى الدكتور وحود لأن يكون قريباً من الناس في ظل ما تعرض له الشعب السوري من قتل وتهجير من قبل النظام البائد، فالتقى عدداً من السوريين في الأردن قبل أن ينتقل إلى الشمال السوري، وهناك أسس 7 مراكز طبية قدمت خدمات الفحص والعلاج والدواء المجاني لما يصل إلى 10 آلاف مريض شهرياً.
وأشار إلى أن العمل، شمل مشاريع أخرى، منها مشروع السكن الاجتماعي، حيث تم تنظيم الأراضي، وتشييد بنى تحتية شملت الصرف الصحي والطرقات، إضافة إلى مدرسة ومركز طبي وملعب للأطفال وجامع، مع إنشاء مشروع لدعم أسر الشهداء والمعتقلين وذوي الإعاقة، من خلال منحهم معاشاً شهرياً وتلبية احتياجاتهم الصحية والغذائية.
رواية توثق تجربة علمية وصناعية كنموذج للشباب
وحود الذي التقى وزير الثقافة محمد ياسين الصالح مؤخراً، ذكر أن هذا اللقاء تناول أهمية توثيق الخبرات العلمية لتجنب ضياعها، مؤكداً أنه بالتعاون مع إحدى الكاتبات يعمل لإعداد رواية تحكي مسيرته من طفولته في أحياء دمشق مروراً بالغربة، وصولاً إلى العمل كباحث وعالم، ونشر الأبحاث وتنفيذ أكثر من سبعين اختراعاً طُبقت في آلات النسيج المستخدمة عالمياً.
واعتبر وحود أن هذه الرواية ستكون رسالة مفتوحة للشباب السوري، تقدم لهم نموذجاً حياً لمسار علمي وصناعي ناجح، يربط بين الابتكار والمعرفة والخبرة العملية.
وأكد أن الثقافة الواقعية تشكل الحاضنة التي تنطلق منها الصناعات الوطنية المبدعة، مشيراً إلى أن اقترانها بالعلم والفن يؤدي إلى بناء هوية صناعية سورية فريدة قادرة على المنافسة دولياً، ورأى أن التعاون بين العلم والثقافة يخلق تكاملاً بين الفكر والإنتاج، ما يثمر مشاريع وطنية قوية ومستدامة.
وأعرب وحود عن تفاؤله بمستقبل الابتكار العلمي والثقافي في سوريا، ومختتماً حديثه بالقول: “الإبداع السوري متجذر حتى في أصعب الظروف، وتوحيد الجهود بين العلم والثقافة الواقعية سيمكن من بناء نهضة صناعية حقيقية، واستثمار الموارد المادية والبشرية والأدوات المتاحة لإنشاء مشاريع صناعية رائدة”.
إنجازات علمية في هندسة النسيج
يعد الدكتور عدنان وحود مهندساً سورياً بارزاً في مجال الميكانيكا وصناعة آلات النسيج، حاصل على شهادة الماجستير في الهندسة الميكانيكية والدكتوراه في بناء آلات النسيج، حاز عام 1982 على جائزة صناعة آلات النسيج في ألمانيا، وشغل منصب رئيس قسم الأبحاث والتطوير في مؤسسة دورنييه الألمانية لصناعة آلات النسيج، حيث أسهم في تطوير تقنيات متقدمة في الصناعة.
وتوجت مسيرته بعدة جوائز مرموقة، أبرزها وسام المخترعين في ألمانيا عام 2004، ووسام الإبداع في المعرض العالمي للأقمشة الصناعية بفرانكفورت عام 2010.