دمشق-سانا
تُعَدّ الصناعات التراثية في الجزيرة السورية جزءاً أصيلاً من الهوية الثقافية والاجتماعية للمنطقة، حيث شكّلت النساء عبر التاريخ العمود الفقري في الحفاظ على هذه الصناعات وتطويرها، فمن خلال مهاراتهن المتوارثة، أسهمت النساء بإنتاج الحرف اليدوية التقليدية، مثل النسيج، التطريز، صناعة السجاد، والأعمال المرتبطة بالصوف والقطن، معبّرات بذلك عن ذائقة فنية عميقة تعكس البيئة المحلية والعادات الاجتماعية.

ولم تكن هذه الصناعات مجرد نشاط اقتصادي، بل مثّلت وسيلة للحفاظ على الذاكرة الجماعية وتعزيز دور المرأة في المجتمع، حيث جسّدت قدرتها على الإبداع والمشاركة الفاعلة في الحياة الاقتصادية والثقافية للجزيرة السورية.
من البيت إلى الحرفة
للإضاءة على موضوع الصناعات التراثية لدى نساء الجزيرة الفراتية، سانا تناولت قراءة للباحث أحمد الحسين في دراسته المنشورة بالعدد /36،37/ من مجلة التراث الشعبي بعنوان “الصناعات التراثية لدى نساء الجزيرة الفراتية”، حيث أكد أن النساء كن، إلى جانب الأعمال المنزلية، يمارسن أعمالاً إنتاجية تُعد صنعة وحرفة، وكانت حكراً على النساء في الأرياف والبوادي، بينما مارسها الرجال في المدن لأغراض التجارة.

واعتمدت المرأة في الجزيرة السورية وفق الدراسة على المواد المحلية والخبرات المتوارثة عن الأمهات والجدات، ما أسهم بتوفير حاجيات البيت من أدوات ومنتجات غذائية، وقلل النفقات، وساهم في دخل الأسرة.
منسوجات الصوف وفنون السدو
تتصدر المنسوجات الصوفية هذه الصناعات، إذ تصنع المرأة قطعاً وأوعية متعددة: لتغطية بيت الشعر، نقل الحبوب والأمتعة، زينة الخيول والإبل، وحفظ الحاجيات الشخصية.
وتبدأ العملية بغزل صوف الغنم وشعر الماعز باستخدام المغزل أو “الدوك”، ثم الانتقال إلى النول الأفقي أو “السدو” لصنع الشقاق لتغطية الأرض والجدران، والطرائج للأرضيات، والأروقة والجواجيم لحمل وحفظ الأغراض، كل قطعة تتطلب مهارة ودقة، ويجمع العمل بين الوظيفة العملية والبعد الجمالي من خلال ألوان الغزول والزخارف الهندسية.
فنون بيوت الشعر
زروب القصب: ستائر منسوجة من قصب الزل تُجمع وتُنظف وتُسوّى قبل تجفيفها ثم نسجها، لتستخدم كحواجز تكمل بناء بيت الشعر.
زروب البردي: يصنع من نبات البردي الأعلى قيمة، ويُعد رمزاً للثراء الاجتماعي، يُنصب داخل بيوت الشعر كستائر تفصل بين الرجال والنساء وتعرف بالحوفة، وتستخدم في أسبوع الزفاف كفضاء احتفالي للعروس.
المفروشات والأغطية
تشكل المفروشات والأغطية جزءاً أساسياً من أثاث البيت للجلوس والتغطية والتدفئة، وتعتمد على الصوف والقطن والأقمشة المشتراة من الأسواق، يعكس هذا التداخل بين الإنتاج المنزلي وموارد السوق، ويظهر الذوق الحرفي للمرأة وقدرتها على تحويل خامات بسيطة إلى بيئة دافئة وجميلة.
الدواشق واللحف
الدواشق هي فراش منزلي من الصوف أو القطن أو التبن، يتألف من ثلاث طبقات: الكيس القماشي، والحشوة، والوجه الخارجي، تخيطها المرأة بخيوط متينة بطريقة التطريج لمنع تكتل الحشوة، وهو نفس البناء المستخدم في صنع اللحف والأغطية.
ويصنع الدوشق من قماش الناشور الأسمر، حيث تُفرش عليه الحشوة وتُلف بإحكام ثم تُخاط لتتحول إلى كتلة متماسكة صالحة للنوم والجلوس، لتشكل مع اللحف والأغطية أساس الراحة في بيت الريف والبادية.
الأوعية الجلدية
كانت الصناعات الجلدية جزءاً أساسياً من اقتصاد البيت البدوي والريفي، حيث تصنع المرأة أوعية من جلود الأغنام والماعز وصغار الجمال لحفظ الماء وخض اللبن والزبدة والسمن، مثل:
الأجواد: قرب صغيرة تعلق تحت بطن الدابة لحمايتها من الشمس.
العكة أو المدهنة: وعاء صغير للسمن اليومي، يُصنع بخطوات مشابهة للأوعية الكبيرة.
الأفران الطينية
تعتمد صناعة الأفران، وعلى رأسها التنور، على مواد البيئة المحلية: التراب الحُري الأحمر، التبن، شعر الماعز، والملح، حيث تُعجن المكونات وتُترك لتتخمر، ثم تُشكل منها قوالب التنور قبل التجفيف.
ويُستخدم التنور لخبز الخبز التقليدي، شوي اللحوم، وطهي الطعام في قدور محكمة، مع إحاطته بحاجز من الطين والحجارة ليصبح مركزاً للحياة اليومية في البيت الريفي والبادية.
الصناعات الغذائية
تشمل تحويل منتجات حيوانية وزراعية إلى أشكال أكثر ثباتاً مثل السمن، الأقط (منتج تقليدي من الحليب)، والكشك، لتوفير غذاء مستدام خاصة في الشتاء، مع الاعتماد على خبرة تراكمية في الغلي والتخثير والتجفيف والحفظ.
بين التراث والحداثة
دخلت الآلات الحديثة في الحلب والتنظيف لتخفيف الجهد، لكنها أدت أيضاً إلى تراجع المهارات اليدوية، وانخفاض جودة بعض المنتجات التقليدية، كما اختفت تدريجياً الصناعات الجلدية وصناعة الغزول والأصبغة، واستعيض عن الدواشق واللحف بالبطانيات والمفروشات الجاهزة، ما قلل مشاركة المرأة في صناعة حاجيات بيتها.
ويكشف هذا التحول عن فقدان واسع للخبرات والمواهب التي ميزت المرأة في الجزيرة السورية، إذ كانت تجمع بين مهارات متعددة في آن واحد، وهو ما لا يتوفر عادة لدى الحرفيين في المدن.
يشار إلى أن مجلة التراث الشعبي دورية متخصصة تصدر عن وزارة الثقافة مديرية التراث اللامادي، وتهتم بتوثيق ودراسة التراث الشعبي والثقافة التقليدية، وجمع ونشر المعرفة المتعلقة بالعادات والتقاليد والموروثات الشعبية.
