دمشق-سانا
تعتبر دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع أحد الفضاءات الفكرية والثقافية السورية التي تحاول تقديم إصدارات نوعية ومعرفية، تجمع بين التراث والفكر الحديث، وتسعى لرفع الذائقة الأدبية للقارئ السوري والعربي، مع الاهتمام بالأدب السوري بكل أشكاله، وترجمة بعض الأدب الأجنبي، الذي يلامس قضايا المجتمعات وآلامها.
في الحوار التالي مع سانا، يوضح مدير الدار أيمن غزالي رؤية نينوى حول الكتاب النخبوي والجماهيري، والتجربة السورية في هذا الإطار، ودور الدار في المشهد الثقافي السوري المعاصر، كما يتناول التحديات التي واجهها القطاع الثقافي، بعد سقوط النظام البائد ومرحلة التحرير.
بين الكتاب النخبوي والجماهيري
في معرض رده حول تفضيل نينوى للكتاب الجماهيري بدأ غزالي حديثه بالتمييز بين الكتاب النخبوي والجماهيري، قائلاً: “الفصل بين هذه الأنماط مسألة شائكة، فالكتاب النخبوي هو الذي له قيمة خاصة، ولا يستطيع الجميع قراءته بنفس الفائدة، حتى الأدب الشعبي أو الجماهيري له مستويات مختلفة، فهناك أدب رفيع وأدب أقل قيمة”.
وتابع غزالي: في البداية، كان همنا الأساسي تقديم الأدب السوري بكل أشكاله، وترجمة بعض الأعمال الأجنبية الرفيعة التي تقارب جراحنا وآلامنا، إضافة إلى رفع ذائقة القارئ البصرية والأدبية، واجهنا لاحقاً منافسة شديدة بسبب القرصنة وتركيز دور النشر على الكتب البسيطة، لكننا تمسكنا بفكرة تقديم كتاب معرفي ونوعي للعامة.
واستشهد غزالي على ذلك بمثال لهذه الأعمال النوعية، بقوله: “أنتجنا جميع مؤلفات ابن عربي، سواء الأساسية أو التحقيقات والشروحات، كما أعددنا أعمال جلال الدين الرومي، ابن الفارض، والحلاج، هذه كتب نوعية، وتتطلب ذائقة عالية للفهم، وهي ليست أكاديمية بحتة، لكنها تحمل أفكاراً جديدة وطروحات معاصرة”.
واقع النشر بعد سقوط النظام البائد
حول تأثير الثورة والتحولات السياسية على المشهد الثقافي، قال غزالي: “بعد سقوط النظام البائد، تغير المشهد بشكل كبير، لكن يحتاج السوريون لوقت طويل لفهم ما حصل خلال سبعين عاماً من حكم حزب البعث، وسيكتشفون أن القتل والتهجير كان أقل ما فعله النظام البائد، وأن تدمير العقول والمعرفة ومحاولة محو كل الأفكار الإنسانية كان جزءاً من السياسة الممنهجة”.
وأضاف غزالي: “لم نغادر سوريا في ظل كل هذه الظروف كنوع من المقاومة الصامتة، بل حاولنا من خلال نشر الأعمال أن نكون جزءاً من هذا الحراك الفكري، وأن نؤسس لمرحلة جديدة من البناء الثقافي”.
أدب السجون: شهادة على الإجرام
تطرق غزالي إلى توجه نينوى لطباعة أدب السجون السوري بعد سقوط النظام البائد، قائلاً: “تبنينا فكرة أدب السجون لأنه يعكس الظلم الإنساني وحرمان الإنسان من حقه في الحياة، فقط لأنه طالب بالحرية والديمقراطية، تجربة السجون السورية تعتبر من أكبر التجارب العالمية، والكتابات حولها تكشف جرائم النظام السابقة”، مؤكداً أن نشر مثل هذه الأعمال هو نوع من المقاومة، لأنه يوثق الظلم ويعيد الحقوق الإنسانية إلى الوعي العام.
الرقمنة والكتاب الإلكتروني
حول تجربة دار نينوى مع الرقمنة والذكاء الاصطناعي، شرح غزالي أنه خلال السنوات ال 15 الماضية، أبرمت الدار 17 عقداً مع منصات ومواقع إلكترونية لترجمة ونشر الكتب، وجهزت نحو 700 كتاب لتكون متاحة إلكترونياً، لكنه رغم ذلك يعتقد أن الكتاب الإلكتروني لن يحل محل الكتاب الورقي، لأن القراءة الإلكترونية مكلفة زمنياً ومالياً، بينما الكتاب الورقي أسهل تناولاً، كما يجد أن الرقمنة أسهمت في انتشار الكتاب الورقي بشكل مجاني وموسع، ما أدى إلى تضاعف عدد دور النشر والإصدارات في السنوات الأخيرة.
وعلق غزالي عن دخول الذكاء الاصطناعي في صناعة الكتاب بقوله: “حتى الآن نينوى متحفظة على الموضوع، لدينا رأي مبدئي لكنه قابل للتغيير، المهم ألا يتحول الضمير الإنساني المبدع إلى أقل من قيمته”.
معرض دمشق الدولي للكتاب
حول المشاركة في معرض دمشق الدولي للكتاب المزمع عقده في شباط القادم، رأى غزالي أن هذا الحدث الثقافي المهم، عاد بعد أكثر من عشر سنوات من التوقف، ومن الضروري مشاركة خبرات من أوساط الثقافة السورية لإنجاحه، ووضع برامج ثقافية متفق عليها.
مسؤولية دور النشر السورية
حول أهمية عمل دور النشر الخاصة في سوريا، رأى غزالي أن هذه المؤسسات، رغم محاولات النظام البائد محو الثقافة وتحجيمها، قامت بجهود استثنائية لنشر كتب نوعية، وهي تستحق التقدير، ومستقبلها يجب أن يكون ضمن برنامج وطني شامل، يدعم رفع المستوى الثقافي لدى الناس، ويعمل على ترميم الفجوات التي خلفتها الفترة الماضية، ما يسهم في بناء الوطن.
دور الاتحاد السوري للناشرين
عن دور الاتحاد، يقول: “الاتحاد الحالي محدود جداً، لا يملك مكاناً أو رأس مال، لكنه مجرد تجمع أهلي يحاول خدمة بعضه، دعم الاتحاد سيكون ضرورياً لتمكينه من أداء دوره الحقيقي، عبر توفير مقر ودعم مالي وانتخابات حرة، ليكون له برنامج حقيقي”.
نبذة عن الدار
يشار إلى أن دار نينوى تأسست في دمشق عام 1999، وتركز على الأدب والفكر والثقافة العربية، وتصدر الروايات والدراسات والنقد الأدبي، وتعمل على تعزيز القراءة وإثراء المكتبة العربية، ولها حضور في المعارض والفعاليات الثقافية العربية.
