دمشق-سانا
يقدّم كتاب “هندسة المعنى: دليل في تقنيات السرد الصحفي” للصحفي والروائي السوري عبد الله مكسور، قراءة معمّقة في الكتابة الصحفية، ولا سيما في مجالي التحقيقات الاستقصائية والتقارير المعمّقة، بوصفها عملية واعية لصناعة المعنى، تتجاوز نقل الوقائع إلى بناء نص مهني متماسك وقادر على التأثير.
وينطلق الكتاب الصادر عن شبكة “إعلاميون من أجل صحافة استقصائية عربية” “أريج”، من واقع التحولات المتسارعة التي تشهدها الصحافة العربية، حيث تقاطعت ضغوط السرعة وتضخم المعلومات وانتشار التضليل مع تغيّر أنماط القراءة، وصعود أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تنامي النقاشات المتعلقة بالحياد والمصداقية والموضوعية.
من التخطيط إلى النشر
يقدم الكتاب ذخيرة معرفية ومهنية للتحقيقات الاستقصائية والتقارير المعمّقة، مستنداً إلى أمثلة واضحة يدرس من خلالها تحولات النص وفق أنماط الكتابة المختلفة، ومن خلال تتبّع دورة إنتاج النص الصحفي كاملة، بدءاً من مرحلة التخطيط وصولاً إلى الخاتمة، مع التوقف عند المحطات الأساسية في مراحل البناء.
ويركّز في فصوله الأولى على التخطيط للكتابة، واختيار زاوية المعالجة، وبناء الخارطة الذهنية للنص، بوصفها الأساس الذي يضمن وضوح الهدف والرسالة ويمنع التشتت، ثم ينتقل إلى تناول الفقرة التوضيحية كما تعرّفها مدارس الصحافة العالمية، مبرزاً دورها في تفسير أهمية القصة للقارئ وربط الحدث بسياقه الأوسع، مع شرح وظائفها وأنماطها وأساليب كتابتها، ودورها في بناء الثقة مع المتلقي ومنح النص شرعيته.
بناء المتن والسرد الصحفي
في فصوله اللاحقة، يعالج الكتاب بناء متن النص الصحفي بأسلوب احترافي، من خلال تنظيم الوقائع، والتعامل مع المصادر، وتوزيع الفقرات، وآليات كتابتها، وتقنيات إدماج البعد الإنساني دون الإخلال بالدقة، كما يتوقف عند آليات السرد في التحقيقات الصحفية، وبناء المشهد والشخصيات، وإيقاع النص، ومفردات الربط في اللغة العربية، بوصفها أدوات أساسية لتحويل المعلومات الخام إلى قصة مفهومة ومؤثرة.
ويخصّص الكتاب مساحة للتعامل مع المقابلات الصحفية، سواء في سياق التقارير أو التحقيقات الاستقصائية، متناولاً تقنيات التفريغ والانتقاء وإدماج الاقتباسات، والتوازن بين صوت الصحفي وصوت المصدر، إضافة إلى أساليب المقابلات والمواجهة، وكشف التناقضات، وإدارة المقابلات متعددة الأطراف.
العناوين..الخواتيم..والتحولات الرقمية
يتناول هندسة المعنى استراتيجيات كتابة العناوين بوصفها بوابة النص الأولى، مستعرضاً أنواعها ووظائفها التحريرية وأنماطها وطرائق صياغتها، قبل الانتقال إلى الخواتيم وأنماطها المختلفة، ودورها في ترك الأثر وترسيخ الفكرة الأساسية لدى القارئ.
ولا يغفل الكتاب التحولات الرقمية، إذ يخصّص فصلاً كاملاً للكتابة لمنصات التواصل الاجتماعي، يناقش فيه التحديات التي تفرضها هذه المنصات، والفروق بين النص الصحفي التقليدي ومثيله الرقمي، مع اقتراح استراتيجيات تحافظ على الجوهر المهني دون الوقوع في التبسيط المخل أو الإثارة المجانية.
الذكاء الاصطناعي والحياد
خصص المؤلف فصلاً عن الكتابة الصحفية في عصر أدوات الذكاء الاصطناعي، مقدّمًا إطاراً عملياً لاستخدام هذه الأدوات في مراحل البحث والتنظيم والتحرير، مع التأكيد على أنها أدوات مساعدة لا بديلٌ عن الدور التحريري للصحفي، والوقوف عند الضوابط الأخلاقية لاستخدامها وحدودها وتأثيرها المحتمل على المهنة.
كما يخصّص الكتاب فصلاً مستقلاً لمفهوم الحياد في الكتابة الصحفية، يناقش فيه معاييره وإمكانية قياسه وأدوات تقييمه، ويقدّم مقاربات عملية لتطبيقه في النصوص الصحفية، في ظل بيئات إعلامية تتسم بالاستقطاب وتضارب الروايات.
دليل تطبيقي موجه للصحفيين
يشكل الكتاب دليلاً تطبيقياً موجّهاً للصحفيين ومدققي المعلومات، يمكن الاستفادة منه في غرف الأخبار وبرامج التدريب وكليات الإعلام، مستنداً إلى خبرة مهنية وتدريبية طويلة للمؤلف، وإلى تجربة شبكة أريج في دعم الصحافة الاستقصائية وبناء القدرات.
نبذة عن المؤلف
يشار إلى أن عبد الله مكسور روائي وصحفي سوري من مواليد حماة سنة 1983 حاصل على إجازة في الآداب والعلوم الإنسانية، وماجستير في الإعلام والعلاقات العامة من جامعة القاهرة، يعمل بالصحافة المرئيّة والمكتوبة منذ 2007، له عدة روايات سياسية اجتماعية، وخاصة حول الثورة السورية، منها شتات الروح، الثلاثية الروائية أيام في بابا عمرو، عائد إلى حلب، وطريق الآلام.