دمشق-سانا
برزت خلال سنوات الثورة السورية التي قامت ضد النظام البائد، جهود العديد من السيدات السوريات اللواتي كُن ناشطاتٍ في المجتمع المدني، فخضن تجارب صعبة في مواجهة التضييق والتهديد من قبل سلطات النظام المخلوع، ولكنهن أصررن على مواصلة نشاطهن الإنساني والقانوني والسياسي رغم المخاطر.
بعد تحرير سوريا، هؤلاء الناشطات وجدن في العمل التطوعي والدفاع عن حقوق الإنسان، رسالة لبناء مجتمع جديد يحلم به السوريون.
من مخيم اليرموك إلى العمل القانوني والإعلامي
المحامية والصحفية نور عويس التي كانت منذ بداية مسيرتها المهنية بالعمل التطوعي مع وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في مخيم اليرموك بدمشق، عملت في بداية الثورة مع الجمعية الوطنية لتطوير دور المرأة في سوريا حتى عام 2014، عندما وجه لها النظام البائد اتهامات باطلة، وتم استدعاؤها إلى فرع التحقيق، فاضطرت إلى مغادرة البلاد تحت الضغوط والتهديدات متجهة إلى لبنان.
في لبنان تابعت عويس نشاطها لدعم النساء ومناهضة الظلم فشاركت كمدربة قانونية مع منظمة (عدل بلا حدود) داخل مخيمات اللاجئين السوريين والفلسطينيين، ثم انتقلت إلى تركيا وبعدها إلى العراق حيث عملت لفترة مع منظمة المساعدات الإنسانية والصحافة.
وتستذكر عويس لحظات سقوط النظام البائد في سوريا بالقول: “شعرت بالنصر.. أنا لم أقتل.. سقطوا ولم يقتلوني”، ثم عادت عويس إلى دمشق مفعمة بالحياة والأمل الجديد لتبدأ بالعمل كمسؤولة إعلامية لشبكة المرأة السورية في ريف دمشق، وكباحثة قانونية مع المجلس العربي.
الدفاع المدني والإغاثة الإنسانية
من جهة أخرى ساهمت السيدات السوريات بالعمل التطوعي في الدفاع المدني، ومنهم شهد العبد الله ابنة مدينة سراقب بمحافظة إدلب، التي عملت في المجال الإنساني في الإسعاف ونقل المرضى ومصابي حوادث السير، إضافة لمتضرري الحرائق.
شهد هُجّرت من مدينتها تحت وطأة القصف الهمجي لقوات النظام البائد عام 2019، فاتجهت إلى جرابلس بريف حلب وهناك بدأت رحلة التطوع عام2021 حيث واجهت صعوبات جمة في عملها في تقديم الإسعافات الأولية، وعند وقوع زلزال شباط عام 2023 ساهمت مع فرق الاستجابة الفورية لإنقاذ الناس من تحت الأنقاض.
وبعد تحرير سوريا عادت شهد إلى محافظة إدلب لتكمل مسيرتها في مجال الإغاثة، وعن ذلك تقول: “مع التحرير شعرت بالنصر لروح أخي الذي ارتقى جراء القصف، وشعرت أنني هزمت ظروف التشرد والتهجير، والآن أنا أعمل في مدينتي وبظروف نفسية وعملية جيدة جداً، وأستطيع أن أقدم الإغاثة لأي إنسان تعرض للإصابة لسبب ما”.
التوثيق والدعم النفسي والعدالة الانتقالية
الناشطة في المجال الإنساني والسياسي أرجوان المسالمة من محافظة درعا، بدأت مسيرتها مع انطلاقة الثورة السورية، بالتطوع في مشروع دعم الأسر المتضررة في دمشق، وبسبب عملها في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان تم اعتقالها من قبل قوات النظام البائد بتهمة التعامل مع جهات خارجية عام 2016، حيث اعتقلت لمدة 33 يوماً، وبعد خروجها من المعتقل اتجهت للعمل مع منظمات عاملة في المناطق المحررة، بمجال تدريب وتأهيل كوادر الدعم النفسي.
عملت المسالمة مع الشبكة الأورو متوسطية على توثيق انتهاكات حقوق النساء، ثم عملت في مجال تطوير منظمات المجتمع المدني، وأيضاً في مشروع بناء السلام (شبكة أمان)، ليتم استدعاؤها مرة أخرى للتحقيق عام 2021 خلال عملها مع شبكة “أنا هي” في مشروع (النساء السوريات في ظل كورونا) بصفتها مديرة المشروع.
تصف المسالمة ليلة سقوط النظام البائد بلمسة الطمأنينة بعد القلق والخوف، وتشعر كما الشعب السوري بالامتنان لتحرير سوريا كاملة من الظلم، ومنذ ذلك اليوم تقوم بنشاط خاص في مجال تحقيق العدالة الانتقالية.
ما واجهته الناشطات السوريات خلال سنوات النظام البائد، من تضييق وتهديد متواصل، وملاحقة واعتقال واستدعاءات أمنية لم يثن عزيمتهن على مواصلة العمل الإنساني والقانوني والسياسي، فجسّدن معنى التحدي ومواجهة الظلم، ومع سقوط النظام تحولت جهودهن إلى مشاريع ملموسة في الإغاثة والعدالة الانتقالية وتمكين المرأة، لتصبح شهاداتهن انعكاساً حياً لإرادة التغيير وبناء سوريا الجديدة.