دمشق-سانا
شكلت لوحات ديوان بالكاد أجمعني، الصادر مؤخراً للشاعر حسن قنطار، لوحة أدبية عبرت بالكلمة عن تجربة الذات السورية في زمن النزوح والاغتراب والأمل، عبر قصائد متنوعة بين الشعر العمودي والنص الحر.
ويلخص الإهداء الافتتاحي في الديوان: “إلى وطنٍ يسوّفني ارتكاباً.. فأنزع جبة الحلاج عني”، حالة تجمع ما تبعثر من كرامة وهوية وذاكرة وغربة، وأمل وانكسار، ما يعبر عن اشتياق حارق للأرض والأهل وسط معاناة التهجير.
لغة تراثية بانزياح حديث وإيقاع داخلي
تعد لغة قنطار في الديوان أداة لاستحضار الوجع والأمل حافظ على أصالتها دون تعقيد، مستخدماً المعجم العربي الرصين النابع من التراث القديم، مع انزياح دلالي واعٍ وتكثيف، مانحاً القصائد طاقة حيوية نابضة بمفردات جزلة ذات وقع موسيقي عميق، يجمع بين فخامة البيان والشفافية الوجدانية، كما في قصيدة “شيء” حيث يقول: “شيءٌ من الموت المروّض ثابا. شيءٌ كأن الوقت صرّ كتابا”.
أسلوب الشاعر تميز بمرونة نادرة في التراكيب المبتكرة، مستعيراً من النثر جرأته التعبيرية، ومن الشعر التقليدي عذوبته الموسيقية، من خلال الجمل القصيرة المكثفة، مثل “مهلاً” والمقاطع المتدفقة مثل: “هي كالمدينة”، “في القدس حرفي”، و”المعراج”، حيث يصعد الأسلوب إلى مقام روحي يمزج التأمل الفلسفي بالانفعال العاطفي، محققاً توازناً بين الحس والعقل.
من الذاتي إلى الإنساني
وبعاطفة صادقة ومتقدة مزج الشاعر الحزن بالإيمان، والحنين بالأمل، والفقد بالصمود، وعبر عن حنين يتجاوز الشخصي إلى الوطني العميق، فلم تكن العاطفة انفعالاً عابراً، بل نسيج متجذر يجعل القارئ يعيش التمزق والشوق كما لو كانت تجربته الخاصة.
يظهر الشاعر بنية شعرية مدروسة تعتمد إيقاعاً داخلياً يقوم على تكرار الأصوات وتوازن المقاطع، مع تنوّع بين العمودي والحر، لتشكل شبكة متماسكة تربط الذاتي بالجماعي، في رحلة شعرية متدرجة، ذات دلالات فلسفية وروحية مترابطة، محولة الشعر إلى مرآة لمعاناة السوريين فتجاوزت مفرداتها دلالاتها المباشرة إلى فضاء إنساني أوسع.
كما يبرز التجديد في الديوان بإعادة تأويل المعاني الموروثة دون هدمها، مقدماً رموزاً جديدة تجمع التقاليد بالتجريب الحديث، كما في توظيف الصور الكونية مع المجازات القرآنية، حيث يجدد الشاعر الإيقاع في القصيدة عبر الموسيقى الداخلية والصور المتراكبة، ليؤكد أن القصيدة قادرة على احتضان أسئلة الإنسان العربي زمن التحولات.
ويقع الديوان الصادر عن دار موزاييك للدارسات والنشر عام /2025/، في نحو /117/ صفحة من القطع المتوسط، يضم أكثر من /110/ قصائد من الشعر العمودي.