عمّان-سانا
أكد وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، ونائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي، أن الاتفاقات ومذكرات التفاهم التي تم توقيعها في ختام الاجتماع الوزاري لمجلس التنسيق الأعلى السوري الأردني، تؤسس لمرحلة جديدة في بناء علاقات استراتيجية متكاملة بين البلدين، مشددين على أن الدورة الحالية شكلت ورشة عمل حقيقية بإرادة صلبة لتحويل العلاقة السورية الأردنية إلى أنموذج عربي خالص في الشراكة الإقليمية.
وقال الشيباني في مؤتمر صحفي مشترك مع الصفدي اليوم الأحد في العاصمة الأردنية عمّان: إن انعقاد الدورة الثانية للمجلس يأتي تتويجاً لمسار متصاعد من التعاون المؤسسي بين دمشق وعمّان، يعكس عمق الروابط التاريخية والاجتماعية بين البلدين، ويعيد العلاقات إلى مسارها الطبيعي القائم على وحدة الأمن والمصير.
وأوضح الشيباني أن الأردن كان في طليعة الدول التي فتحت أبوابها لسوريا الجديدة عقب التحول التاريخي في كانون الأول 2024، مؤكداً أن استقرار سوريا مناعة للأردن، وازدهار الأردن سند لسوريا، وأن مجلس التنسيق الأعلى بات ركيزة أساسية لتنظيم التعاون في مختلف مفاصل الدولة.
شراكة استراتيجية شاملة وتكامل اقتصادي وأمني
وبين وزير الخارجية أن نقاشات اليوم شملت قطاعات الاقتصاد والتجارة البينية والنقل والخدمات اللوجستية والطاقة والمياه والزراعة والاتصالات والإعلام، وصولاً إلى التعاون في الداخلية والأمن والصحة والتعليم العالي والبحث العلمي، ما يجعل الشراكة شاملة لكل مقومات الدولة.
وأشار الشيباني إلى أن الدورة الحالية أسفرت عن توقيع حزمة متكاملة من الوثائق القانونية والاتفاقيات الثنائية، إضافة إلى إطلاق مرحلة جديدة من المشاريع الكبرى، من بينها مذكرة تفاهم ثلاثية مع تركيا لتفعيل الممرات البرية، والعمل على إحياء سكة حديد الحجاز، وإعادة تشغيل خط الغاز العربي، وتعزيز الربط الكهربائي، إلى جانب التنسيق مع السعودية في الربط الرقمي الإقليمي.
وفي السياق الأمني، شدد الشيباني على أن الواقع الإقليمي الملتهب يفرض رفع مستوى التنسيق العسكري والأمني بين البلدين، وأشار إلى أن هذا التنسيق ترجم فعلياً عبر اللقاءات المستمرة في دمشق وعمّان بين القيادات العسكرية والأمنية، وعبر الموقف المشترك في خوض حرب صارمة لاجتثاث شبكات تهريب المخدرات والسلاح، ووضع استقرار الجنوب السوري في صلب الأولويات لارتباطه العضوي بأمن البلدين.
وأضاف الشيباني: إن سوريا تدين بأشد العبارات الاعتداءات الإسرائيلية السافرة والمتكررة على الأراضي السورية، والتوسع المحموم في الجولان السوري المحتل، والعدوان الغاشم الذي استهدف لبنان الأسبوع الماضي، وأدى إلى تدمير واسع في بنيته التحتية، مؤكداً أن هذه الاعتداءات تمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي وتهديداً مباشراً لأمن المنطقة.
التحديات العالمية تفرض تسريع خطط التكامل
ورحب وزير الخارجية والمغتربين بجهود الوساطة التي أسفرت عن الهدنة الأمريكية – الإيرانية، وأثنى على الدور المحوري الذي قامت به جمهورية باكستان الإسلامية للوصول إلى هذه الهدنة، مشيراً إلى أن تعقيدات الواقع الإقليمي تفرض تعزيز التنسيق الأمني والعسكري بين البلدين.
وأضاف وزير الخارجية: إن التحديات الاقتصادية العالمية، واضطراب سلاسل الإمداد والمعابر، تفرض تسريع خطط التكامل، مشيراً إلى أن الأردن هو رئة سوريا نحو الخليج والبحر الأحمر، وسوريا بوابة الأردن نحو تركيا وأوروبا، وأن الدبلوماسية المشتركة لعبت دوراً محورياً في كسر العزلة ودعم الجهود لرفع العقوبات الاقتصادية الجائرة.
وتوقف الشيباني عند البعد الإنساني، موجهاً الشكر للأردن على احتضانه أكثر من مليون لاجئ سوري، وأكد العمل على برنامج وطني شامل لعودتهم الطوعية والكريمة، بالتوازي مع تقدم ملموس في ملف العدالة الانتقالية وكشف مصير المفقودين، عبر تشكيل هيئات وطنية مستقلة وتوقيع اتفاقيات تعاون مع المنظمات الدولية المختصة، كما أشار إلى استقبال سوريا لمدعي عام المحكمة الجنائية الدولية في دمشق، تأكيداً على انفتاحها الكامل على مسار العدالة الدولية.
ولفت الشيباني إلى أن سوريا، بالتعاون مع الأمم المتحدة، أطلقت مطلع هذا الشهر خطة التعافي والاستجابة الإنسانية لعام 2026، بما يضمن توفير الاحتياجات الأساسية، ودعم المجتمعات الأكثر تضرراً خلال المرحلة المقبلة.
وفي ملف إعادة الإعمار، أوضح الشيباني أن سوريا تعمل على تحويل البلاد إلى وجهة استثمارية واعدة عبر قانون الاستثمار الجديد، وإعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والطرق والمدارس والمستشفيات، وإحياء الخط العربي للغاز، وإطلاق مبادرة “سوريا بلا مخيمات” التي تستهدف إعادة 35 ألف عائلة خلال العام المقبل.
سوريا والأردن بوابة استراتيجية في المنطقة
وفي رده على أسئلة الصحفيين، أشار الشيباني إلى أن سوريا والأردن يشكلان بوابة استراتيجية في المنطقة، وأن الأزمة الأخيرة أبرزت أهمية عودة سوريا إلى دورها الطبيعي في الربط الإقليمي البري والبحري، مؤكداً وجود مشاورات حثيثة مع الأردن وتركيا والسعودية والاتحاد الأوروبي للاستفادة من الموقع الجغرافي المشترك.
وشدد الشيباني على أن ملف إعادة الإعمار يمثل التحدي الأكبر بعد إسقاط النظام البائد، وأن تقديرات البنك الدولي تشير إلى حاجة تتراوح بين 250 و400 مليار دولار، ما يستدعي شراكات واسعة مع الأردن ودول الإقليم، لافتاً إلى العمل على استئناف التحضير لمؤتمر دولي لدعم الإعمار بعد تأجيله بسبب الحرب في الشرق الأوسط.
وأكد وزير الخارجية أن سوريا بحاجة إلى إعادة بناء البنية التحتية والإسكان والمؤسسات والقدرات، وإعادة ربط الاقتصاد السوري إقليمياً ودولياً، مشيراً إلى أن أبواب سوريا مفتوحة أمام المستثمرين، وأن المجلس التنفيذي التنسيقي بين البلدين أثبت فعاليته في تحويل التفاهمات إلى نتائج ملموسة.
يوم تاريخي.. وشراكة مؤسسية لمواجهة التحديات
من جانبه أكد وزير الخارجية الأردني أيمن الصفدي أن اليوم يمثل محطة تاريخية في العلاقات السورية الأردنية، تعكس الإرادة السياسية للملك
عبد الله الثاني والرئيس أحمد الشرع، وتترجم الأخوة المتجذرة بين البلدين إلى تعاون مؤسسي ممنهج يخدم المصالح المشتركة.
وقال الصفدي: إن اجتماع اليوم هو الأكبر في تاريخ العلاقات الثنائية، بمشاركة أكثر من 30 وزيراً، وأسفر عن توقيع تسع اتفاقيات ومذكرات تفاهم، وبحث التعاون في 21 قطاعاً حيوياً، مشيراً إلى أن كل وزير سيعمل على ترجمة ما تم الاتفاق عليه إلى خطوات عملية.
وأضاف الصفدي: إن ما تحقق اليوم يشكل خطوة عملية لترجمة الإرادة السياسية إلى تعاون مؤسسي ممنهج، لافتاً إلى أن سكرتارية مجلس التنسيق الأعلى، التي انطلقت أعمالها في دورتها الأولى بدمشق، ستتابع بشكل دوري ومستمر تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، للحفاظ على الزخم وضمان الانتقال من التفاهمات إلى النتائج الملموسة.
أمن سوريا ووحدة أراضيها ركيزة لأمن المنطقة
وجدد الصفدي وقوف الأردن المطلق مع سوريا في جهود إعادة البناء، مؤكداً أن أمن سوريا ووحدة أراضيها واستقرارها ركيزة لأمن المنطقة، وأن أمن الجنوب السوري امتداد طبيعي لأمن الأردن.
ونوه الصفدي بالتقدم الكبير في التنسيق الدفاعي والأمني بين البلدين لمواجهة تهريب المخدرات والسلاح ومحاولات العبث بالأمن، مؤكداً أن التعاون المؤسسي بين القوات المسلحة والأجهزة الأمنية في البلدين قطع خطوات كبيرة.
كما شدد نائب رئيس الوزراء الأردني على رفض بلاده الاعتداءات الإسرائيلية على سوريا ومحاولاتها العبث بأمنها الداخلي، مؤكداً أن استقرار السويداء والجنوب السوري أولوية مشتركة، وأن خريطة الطريق التي تم إنجازها ستسهم في تثبيت الاستقرار.
وتناول الصفدي التطورات الإقليمية، مؤكداً دعم لبنان في فرض سيادته على كامل أراضيه، والترحيب بوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، مع التأكيد على ضرورة معالجة جذور التوتر واحترام سيادة الدول والقانون الدولي.
الاتفاقيات ستنعكس مباشرة على حياة المواطنين
ورداً على سؤال لمراسل سانا حول أبرز النتائج العملية لاجتماعات مجلس التنسيق الأعلى، ومدى انعكاسها المباشر على التعاون بين البلدين في المرحلة المقبلة، قال الصفدي: “بالتأكيد، ما شهدناه اليوم هو حصيلة عمل متواصل على مدى عام ونصف، توج بتوقيع تسع اتفاقيات ومذكرات تفاهم شملت قطاعات الطاقة والمياه والنقل والتجارة والتعليم والتكنولوجيا، وهي اتفاقيات ستنعكس مباشرة على حياة المواطنين في البلدين”.
وأضاف الصفدي: “إن الأردن وسوريا عملا خلال الفترة الماضية على بناء أرضية مؤسسية صلبة، مكنت الوزارات والهيئات المختصة من الانتقال من مرحلة النقاش إلى مرحلة التنفيذ”، مؤكداً أن حجم التبادل التجاري وصل إلى أعلى مستوياته، وأن الربط الكهربائي والمشاريع المشتركة تسير بخطوات عملية واضحة.
واختتم الصفدي حديثه بالقول: نحن نعمل معاً، ومع الأشقاء في الإقليم، على تحويل هذه اللحظة التاريخية إلى إنجازات ملموسة، وسنواصل متابعة كل ما اتفق عليه لضمان أن تكون سوريا والأردن منطلقاً لمشاريع كبرى تعود بالنفع على المنطقة بأسرها.