دمشق-سانا
في ظل تنامي الوعي الصحي وتزايد المشكلات المرتبطة باستهلاك بعض المنتجات الحيوانية، ولا سيما حالات عدم تحمّل سكر اللاكتوز، يبرز الاهتمام بالبحث عن بدائل غذائية تجمع بين السلامة والقيمة الغذائية وسهولة التحضير، بما يلبي احتياجات شرائح واسعة من المجتمع دون الإخلال بنمطها الغذائي.
وانطلاقاً من هذا التوجه، عمل المهندس الزراعي الشاب حسن درويش على تطوير جبنة نباتية من فول الصويا، مستنداً إلى استخدام حليب الصويا بديلاً عن حليب البقر، لإنتاج منتج بخصائص قريبة من الجبن الحيواني.
ويُعد عدم تحمّل سكر اللاكتوز اضطراباً هضمياً ينتج عن نقص إنزيم «اللاكتيز» المسؤول عن تكسير سكر الحليب، ما يدفع المصابين به إلى تجنب منتجات الألبان التقليدية، الأمر الذي يعزز أهمية توفير بدائل يمكن إعدادها بطرق بسيطة داخل المنزل، وفق ما أوضح درويش.
فكرة المنتج
وأوضح المهندس درويش أن فكرة المنتج انطلقت خلال إحدى محاضرات تكنولوجيا الألبان، حين طُرح مفهوم حليب الصويا، ما دفعه إلى التعمق في البحث حول إمكانياته التصنيعية، بالتعاون مع المشرفة على مشروعه الدكتورة لينا المغربي، لدراسة إمكانية إنتاج جبن نباتي يتمتع بخصائص قريبة من الجبن الحيواني.
وبيّن أنه أجرى سلسلة من الدراسات والتجارب العملية المنزلية، واختبر أكثر من آلية تصنيع، وصولاً إلى صيغة مناسبة تراعي سهولة التطبيق وتحدّ من الأخطاء المحتملة التي قد تؤثر في جودة المنتج ونجاح عملية التصنيع.
طريقة تصنيع جبن الصويا
وأوضح المهندس درويش أن عملية التصنيع تبدأ باختيار حبوب صويا جيدة النوعية، ثم تنقيتها من الشوائب وغسلها جيداً، لتنقع بعد ذلك مدة تتراوح بين 20 و24 ساعة، وبعد إزالة القشور الخارجية عبر فرك الحبوب يدوياً، تُطحن مع كمية مناسبة من الماء، ويُصفّى المزيج باستخدام قطعة قماش نظيفة للحصول على حليب صويا نقي.
وبيّن أن حليب الصويا يُغلى على درجة حرارة تقارب 95 درجة مئوية لمدة تتراوح بين 15 و20 دقيقة، ثم يُضاف إليه المُخثِّر المتمثل بحمض الليمون الممزوج بقليل من الماء، مع التحريك وهو لا يزال ساخناً، وبعد نحو خمس دقائق تبدأ الخثرة بالانفصال عن المصل، ويُترك المزيج قرابة 15 دقيقة حتى يكتمل الانفصال.
وأشار درويش إلى أنه بعد تصفية الخثرة تُجمع داخل قطعة قماش وتُضاف إليها التوابل بحسب الرغبة، مثل الملح وحبة البركة أو بعض الملونات الطبيعية كمسحوق الجزر، قبل تشكيلها وتركها لتأخذ قوامها النهائي.
منتجات إضافية
ولفت درويش إلى إمكانية الاستفادة من تفل الصويا المتبقي بعد ترشيح الحليب، والمعروف باسم «أوكارا الصويا»، في تصنيع فلافل نباتية، وذلك بإضافة كمية مناسبة من دقيق القمح للحصول على عجينة بقوام مماثل لعجينة الفلافل التقليدية، مع استخدام توابل مشابهة لتوابل فلافل الحمص، ثم تشكيلها وقليها بالطريقة المعتادة، بما يحقق استفادة كاملة من مكونات المنتج ويحد من الهدر.
وأشار إلى أن المنتج حظي باستحسان زوار ومشاركي المؤتمر الدولي الثالث لتقانة الغذاء الذي أقيم في دمشق تحت شعار «معاً نحو غذاء صحي مستدام»، وانطلقت فعالياته في الأول من كانون الأول الماضي واستمرت ثلاثة أيام، حيث لاقى اهتماماً بوصفه نموذجاً لمنتج نباتي صحي وقابل للتطبيق العملي.
البدائل النباتية
وبيّنت الدكتورة إسراء البوش، من كلية الهندسة الزراعية بجامعة دمشق، أن الاهتمام بالبدائل النباتية للمنتجات الحيوانية يتزايد في ظل تصاعد التحديات الصحية والبيئية، مشيرةً إلى أن فهم طبيعة هذه المنتجات وآليات تصنيعها يُعد خطوة أساسية لتقييم قيمتها الغذائية ومدى ملاءمتها كخيارات آمنة لمختلف الفئات.
وأوضحت أن تنامي الإقبال على هذه البدائل يعود إلى عدة عوامل، في مقدمتها الاستدامة من خلال الحد من الاعتماد على نظم الإنتاج الحيواني المكثف واستهلاك الموارد، إضافة إلى الجانب الصحي، إذ يسهم النظام الغذائي الغني بالأطعمة النباتية المتوازنة في دعم الصحة العامة وتقليل مخاطر الأمراض المرتبطة بالإفراط في استهلاك المنتجات الحيوانية، كما توفر هذه البدائل خيارات مناسبة للأشخاص الذين يعانون حساسيات شائعة، كحساسية حليب البقر، ولا سيما عند تدعيمها بالعناصر الغذائية الأساسية، مثل حليب فول الصويا أو الشوفان.
وأكدت الدكتورة البوش أن الاعتماد الكامل على البدائل النباتية يتطلب تخطيطاً غذائياً سليماً لضمان تلبية الاحتياجات الغذائية، مشددةً على أن المنتجات الحيوانية لا تزال تشكل مصدراً غذائياً رئيسياً لشرائح واسعة من السكان حول العالم.
ويشهد العالم في السنوات الأخيرة تزايداً ملحوظاً في الاهتمام بالأنظمة الغذائية البديلة، ولا سيما البدائل النباتية، نتيجة تصاعد المشكلات الصحية المرتبطة باستهلاك بعض المنتجات الحيوانية، ما يدفع شريحة واسعة من المستهلكين للبحث عن خيارات غذائية آمنة تلبي احتياجاتهم دون التأثير على قيمتهم الغذائية أو نمطهم الغذائي اليومي.