دمشق-سانا
تقترب إيران من فتح جبهة جديدة للضغط على طرق الطاقة والتجارة العالمية مع تقدم ميليشيا الحوثي على الساحل الغربي لليمن وسيطرتها على مدينة المخا وتحركها باتجاه جزر حنيش ومناطق قريبة من مضيق باب المندب، بالتزامن مع اضطراب حاد في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، ما يضع الشريانين البحريين عند طرفي شبه الجزيرة العربية في قلب حسابات الحرب في المنطقة.
رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي حذر في تصريحات نقلتها وسائل الإعلام، اليوم الخميس، من أن إيران تسعى لمنح ميليشيا الحوثي القدرة على التأثير في باب المندب والبحر الأحمر، مؤكداً أن أي محاولة لتغيير الوضع العسكري قرب المضيق لا يمكن التعامل معها باعتبارها شأناً يمنياً، لأن تداعياتها تمتد مباشرة إلى البحر الأحمر وقناة السويس والتجارة العالمية.
ويأتي التحذير في وقت أفادت فيه مصادر عسكرية حكومية لرويترز بأن ميليشيا الحوثي سيطرت على المخا وشنت هجمات باتجاه جزر حنيش، فيما تتحرك القوات الحكومية وحلفاؤها جنوباً نحو ذوباب الواقعة قبالة جزيرة بريم، مشيرة إلى أن السيطرة على ذوباب وبريم تمثل عاملاً أساسياً في إحكام السيطرة على المضيق.
المخا.. خطوة نحو باب المندب
تكمن أهمية التطورات الأخيرة في أن المخا لا تمثل مجرد مكسب ميداني في الحرب اليمنية، إذ تقع على مسافة نحو 80 كيلومتراً من مضيق باب المندب، ما يجعل السيطرة عليها خطوة تقرّب ميليشيا الحوثي من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وأفادت مصادر عسكرية حكومية يمنية لرويترز بأن الميليشيا، بعد سيطرتها على المخا، تقدمت باتجاه جزر حنيش، فيما تحركت القوات الحكومية وحلفاؤها جنوباً نحو ذوباب الواقعة قبالة جزيرة بريم، في تطورات من شأنها أن تمنح الميليشيا مواقع أقرب إلى خطوط الملاحة وقدرة أكبر على تهديد حركة السفن.
طهران تضغط من طرفين
تتزامن التطورات في الساحل الغربي اليمني مع استمرار الاضطراب في مضيق هرمز، بما يفتح أمام إيران، وفق التحذيرات اليمنية والتطورات الميدانية، إمكانية امتلاك ورقة ضغط بحرية في طرفي شبه الجزيرة العربية.
وتعزز هذا الربط التطورات السياسية المصاحبة، إذ نقلت رويترز عن مصادر سعودية وباكستانية وإيرانية أن باكستان نقلت تحذيراً سعودياً إلى طهران لكبح هجمات حلفائها الحوثيين على المملكة، بينما أفاد مصدران إيرانيان للوكالة بأن طهران طلبت من الحوثيين شن هجمات على السعودية ووعدتهم بتمويل وأسلحة إضافية.
وحذر رئيس مجلس القيادة اليمني، حسب وكالة الأنباء اليمنية “سبأ” من الارتباط الواضح بين هذا التصعيد، وإستراتيجية الضغط الإيرانية الأوسع لجعل كلفة الضغط الدولي على إيران قابلة للتصدير إلى الآخرين، من خلال استهداف دول الجوار، وتهديد منشآت الطاقة، وتهديد البحر الأحمر وسلاسل الإمداد، بما يحول أزمة إيران مع المجتمع الدولي إلى أزمة للمنطقة والاقتصاد العالمي.
وشدد على عدم السماح بتحويل باب المندب إلى هرمز آخر، أو تحويل اليمن إلى منصة ابتزاز جيوسياسي نيابة عن النظام الإيراني.
وتحول هذه المعطيات باب المندب من ملف مرتبط بالحرب اليمنية إلى جزء من صراع أوسع على الممرات البحرية، وخصوصاً أن السعودية تستخدم موانئ البحر الأحمر، وفي مقدمتها ينبع، لتصدير النفط بعيداً عن المخاطر التي تحيط بمضيق هرمز.
المضيق مفتوح.. لكن كلفة المخاطر ترتفع
رغم التصعيد، لا تزال حركة السفن عبر باب المندب مستمرة، فقد أظهرت بيانات تتبع السفن التي نقلتها رويترز عبور 28 سفينة للسلع عبر المضيق يوم الأربعاء، وهو مستوى قريب من متوسط الأيام العشرة البالغ 27 سفينة، مقابل سبع سفن فقط عبرت مضيق هرمز في اليوم نفسه، مقارنة بمتوسط 14 سفينة.
وفي المقابل، ارتفعت تحميلات النفط الخام والمكثفات السعودية من ميناء ينبع على البحر الأحمر إلى نحو 3.7 ملايين برميل يومياً في أيلول، وفق بيانات “فورتكسا” نقلتها رويترز، في محاولة لتجاوز مخاطر هرمز.
وتكشف هذه الأرقام الفرق بين إغلاق الممر البحري وبين رفع مستوى المخاطر حوله؛ فالملاحة مستمرة، لكن شركات النقل والناقلات تتعامل مع بيئة أمنية أكثر خطورة، فيما يمكن لأي تصعيد إضافي أن يدفع مزيداً من السفن إلى تغيير مساراتها.
وأظهرت بيانات “لويدز ليست” في آب أن حركة السفن عبر باب المندب تراجعت بنحو 24 بالمئة بعد إعلان ميليشيا الحوثي حصاراً بحرياً على السعودية، قبل أن تستقر نسبياً مع تكيف شركات الشحن مع بيئة المخاطر الجديدة، كما بقيت حركة ناقلات النفط الرئيسية أقل من مستوياتها المعتادة.
بوابة قناة السويس وشريان الطاقة
وتكتسب المخاطر المحيطة بباب المندب أهمية تتجاوز جغرافية البحر الأحمر، إذ يمثل المضيق البوابة الجنوبية لقناة السويس وأحد الممرات الرئيسية لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا.
وبحسب رويترز، يمر عبره نحو 7 بالمئة من إنتاج النفط العالمي، ويتيح اضطراب الملاحة في المضيق خياراً واحداً رئيسياً أمام السفن المتجهة بين آسيا وأوروبا، وهو الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، بما يضيف مسافات طويلة وأياماً إلى الرحلات ويرفع تكاليف الوقود والتأمين والنقل.
وأدى تصعيد ميليشيا الحوثيين سابقاً إلى إعادة توجيه سفن وشحنات نفطية ورفع تكاليف النقل وإطالة زمن الرحلات، ما يجعل أي تهديد جديد للمضيق مؤثراً مباشرة في سلاسل الإمداد وأسواق الطاقة العالمية.
ومع استمرار اضطراب الملاحة في هرمز، تتسع المخاطر من مضيق إلى آخر، في وقت تحاول فيه الدول وشركات الشحن إعادة رسم مسارات الطاقة والتجارة لتجنب مناطق الخطر.
وبذلك، يتحول أمن الممرات البحرية من مسألة إقليمية إلى عامل مباشر في استقرار الطاقة والتجارة العالمية، مع اتساع رقعة الضغط من هرمز إلى باب المندب.