نيويورك-سانا
شكّل لقاء الرئيس أحمد الشرع مع أبناء الجالية السورية في الولايات المتحدة مساحة لطرح أسئلة عملية حول مستقبل سوريا، ودور الكفاءات المقيمة في الخارج في مسار البناء والتنمية، إلى جانب ملفات اقتصادية وتعليمية وصحية وقنصلية وعدلية.

وجرى اللقاء في مستهل زيارة الرئيس الشرع إلى نيويورك للمشاركة في أعمال الدورة الـ 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، برفقة وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني، ووزير الطوارئ وإدارة الكوارث رائد الصالح، وعدد من المسؤولين.
وتناول الرئيس الشرع مسار التعافي والبناء في سوريا، مؤكداً أن التنمية تبدأ من بناء الموارد البشرية، وأن البلاد تمتلك طاقات وكفاءات تعرضت للاستنزاف خلال السنوات الماضية، ومشدداً على أهمية الاستفادة من خبرات السوريين المقيمين في الخارج.
التنمية تبدأ بالإنسان

وأشار الرئيس الشرع إلى خطط لتطوير التعليم التطبيقي، موضحاً أن مدارس نموذجية ستبدأ باستقبال آلاف الطلاب ضمن اختصاصات تشمل الميكانيك والذكاء الاصطناعي والفيزياء والعلوم التطبيقية، على أن تتوسع لاحقاً إلى مجالات أخرى، مبيناً أن التجربة ستبدأ من الصف العاشر في بعض المدارس.
وأكد حاجة سوريا إلى مواردها البشرية في مسار التنمية، لافتاً إلى وجود اختصاصات وخبرات سورية يمكن الاستفادة منها عبر التواصل مع الكفاءات الموجودة في الولايات المتحدة وكندا، سواء المتفرغة للعمل داخل البلاد أو القادرة على المساهمة بصورة جزئية وعن بُعد.
وفي المجال الصحي، أشار الرئيس الشرع إلى الحاجة لعدد من الاختصاصات، بينها الصحة النفسية وطب الأسرة، وإمكان إسهام الكفاءات السورية في الخارج في تأهيل كوادر جديدة ومواصلة العمل عبر تقنيات الاتصال الحديثة.
كما تناول واقع الصناعة، مشيراً إلى إجراءات خفض أسعار المواد الأولية الداخلة في الإنتاج، وعودة عدد من الصناعيين إلى العمل، ولا سيما في حلب، بالتوازي مع مواصلة معالجة التحديات التي تواجه القطاع.
عام بين زيارتين

وفي الشأن السياسي، أشار الرئيس الشرع إلى أن سوريا تشهد في المرحلة الحالية إنجازات تتحقق للمرة الأولى، موضحاً أن زيارته إلى نيويورك تأتي بالتزامن مع استعداد سوريا لإلقاء خطابها أمام الأمم المتحدة، بعد مشاركته العام الماضي في أعمال الجمعية العامة.
وقال: إن الفترة الفاصلة بين الزيارتين شهدت إنجازات عدة، من بينها توحيد الأراضي السورية في غضون أشهر، مشيراً إلى أن البلاد بقيت بمنأى عن الصراع الكبير الذي تشهده المنطقة، ومؤكداً أهمية الدور السوري في المرحلة المقبلة.
واعتبر الرئيس الشرع أن الثورة السورية نفسها كانت «معجزة»، لافتاً إلى أن محاولات تقسيم سوريا وتفرقة شعبها فشلت، ومؤكداً أن السوريين يواصلون كتابة مرحلة جديدة من تاريخ بلادهم.
الجالية شريك في البناء

وطرح المشاركون من الولايات المتحدة وكندا قضايا عدة تشغل السوريين في الخارج، في مقدمتها الاستثمار وتحويل الأموال، واستعادة الأموال السورية الموجودة في الخارج، والعمل القنصلي، ودور الكفاءات المغتربة في إعادة الإعمار.
وقال الطبيب السوري المقيم في مونتريال وعضو المجلس الكندي السوري سلمان كرنازي، في تصريح لـ سانا: إن اللقاء أتاح لممثلي الجالية الكندية طرح أسئلتهم، ولا سيما ما يتعلق بآليات تحويل الأموال إلى سوريا بعد رفع العقوبات، وسبل معالجة ملف أموال السوريين المودعة في لبنان، معتبراً أن استعادتها يمكن أن تسهم في دعم الاقتصاد وإعادة البناء.
من جهته، أوضح رئيف حزوري، القادم من فانكوفر، أن اللقاء أسهم في تبديد جزء من هواجس السوريين المقيمين خارج البلاد بشأن مستقبل سوريا، مؤكداً رغبة أبناء الجالية في المشاركة بإعادة الإعمار والاستثمار، والاستفادة من الطاقات والخبرات السورية المنتشرة في الخارج.
بدوره، أشار الطبيب والمدرس في جامعة هارفارد بكر غبيس إلى أن اللقاء شهد مشاركة سوريين من مختلف الولايات الأمريكية ووفد من كندا، واصفاً النقاش بأنه اتسم بالطابع العملي.
ولفت غبيس إلى طرح أفكار ومقترحات تتعلق بالصحة النفسية والعدالة الانتقالية وملاحقة مرتكبي جرائم الحرب في سوريا، إضافة إلى الملفات التقنية والقنصلية وشؤون السوريين في الخارج، مؤكداً أن المرحلة الحالية تمثل فرصة لبناء البلاد بمشاركة مختلف الاختصاصات والكفاءات السورية، ما يتطلب تكاتف جهود السوريين في الداخل والخارج.
الخدمات القنصلية في صدارة المطالب
وحظي الملف القنصلي باهتمام واسع في مداخلات أبناء الجالية، ولا سيما ما يتعلق بتفعيل الخدمات القنصلية وتجديد جوازات السفر وتسجيل الولادات وغيرها من المعاملات.

وقالت رهام العريان، التي تعمل في مؤسسة مالية بواشنطن، في تصريح لـ سانا: إن غالبية أبناء الجالية ينتظرون تفعيل العمل القنصلي، واصفة اللقاء مع الرئيس الشرع بأنه اتسم بالود والانفتاح، ومشيرة إلى أنه قدم شرحاً حول الاستراتيجية الاقتصادية ورؤية الدولة للتطوير.
كما تناولت المداخلات سبل استثمار خبرات السوريين في الخارج، وإتاحة المجال أمام أصحاب الاختصاص للمساهمة في القطاعات التي تحتاجها البلاد، ولا سيما الصحة والتعليم والتقنية.
وفي هذا السياق، قال معاوية محمد الأحمد المقيم في مونتريال: إن اللقاء أتاح للسوريين في كندا طرح أسئلتهم ومناقشة فرص الاستثمار والعمل والمشاركة في إعادة الإعمار، مشيراً إلى تطلع الجالية لافتتاح السفارة السورية في كندا وتفعيل حضورها القنصلي.
وأكد طبيب الأمراض الهضمية في ولاية فلوريدا سعود الأتاسي أن اللقاء شكّل مساحة للتواصل المباشر مع الرئيس، معتبراً أن الاستماع إلى أبناء الجالية يفتح المجال أمام مزيد من التواصل والمشاركة.

وأشار أيهم مشمشان، من ديترويت، إلى أهمية تمكّن السوريين من طرح مشكلاتهم وأسئلتهم بصورة مباشرة، فيما أعرب الصيدلاني عبد الله إدريس، المقيم في نيوجيرسي، عن أمله في أن تسهم العلاقات الخارجية الجديدة في تعزيز عودة سوريا إلى المجتمع الدولي.
وتقاطعت مداخلات أبناء الجالية عند فكرة واحدة وهي أن السوريين في الخارج لا يريدون أن يكونوا مجرد متابعين لما يجري في بلدهم، بل يرغبون في تحويل ما راكموه من خبرات وعلاقات واختصاصات إلى مساهمة مباشرة في مرحلة البناء.
وفي ختام اللقاء، أعرب الرئيس الشرع عن تقديره لحضور أبناء الجالية، مؤكداً حرصه على الاستماع إلى طروحاتهم، وأن صلة السوريين المقيمين في الخارج ببلدهم ما زالت وثيقة، ومساهمتهم في مسار البناء والتنمية يمكن أن تشكل رافداً مهماً للمرحلة المقبلة.

