دمشق-سانا
أكد عدد من الخبراء القانونيين أن الحكم الصادر عن محكمة الجنايات الرابعة في دمشق بحق المجرم وسيم الأسد، بعد إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب بحق الشعب السوري خلال عهد النظام البائد، يشكل محطة استثنائية في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، ويعكس قدرة القضاء الوطني على التعامل مع قضايا الانتهاكات الجسيمة وفق الأصول القانونية ومعايير المحاكمة العادلة.
وأشار الخبراء إلى أهمية المحاكمة وما شهدته من جلسات وصولاً إلى النطق بالحكم، في ترسيخ مبادئ كشف الحقيقة وحماية الضحايا والشهود وجبر الضرر، إلى جانب تكريس التكامل بين القانونين الوطني والدولي في توصيف الوقائع الجرمية، بما يسهم في تعزيز الثقة بالقضاء وصون حقوق الضحايا.
بناء ثقة ذوي الضحايا والناجين بالقضاء

أكدت أمينة سر نقابة المحامين المركزية في سوريا أميمة إدريس أن محاكمة المجرم وسيم الأسد تشكل محطة مهمة في مسار العدالة الانتقالية في سوريا، لكونها تقدم نموذجاً عملياً لكيفية تعامل القضاء مع قضايا الانتهاكات الجسيمة، بما يتجاوز البعد العقابي إلى ترسيخ مبادئ كشف الحقيقة، وحماية الضحايا والشهود وجبر الضرر.
وبيّنت إدريس أن الأهمية تكمن في بناء ثقة ذوي الضحايا والناجين بالقضاء، ولا سيما من خلال اعتماد إجراءات تضمن حماية الشهود والحفاظ على سرية هوياتهم، مع استمرار تدابير الحماية عند الحاجة حتى بعد انتهاء المحاكمة.
ولفتت إدريس إلى أن تضمين الحكم قراراً بحفظ هويات الشهود في ملف سري مغلق، واستمرار تدابير حمايتهم حتى بعد انتهاء المحاكمة، يُعد حجر الأساس لتغيير الثقافة القضائية التقليدية عبر كسر حاجز الخوف ليضمن الشاهد أن اسمه سيبقى غير معلن مما يشعره بالطمأنينة لأداء شهادته دون خوف ويبعث برسالة للناجين، فحين يرى ذوو الضحايا والناجون الآخرون نجاح تدابير الحماية يتشجعون على تقديم وثائق الانتهاكات في القضايا المنظورة لاحقاً.
وأشارت إدريس إلى أن بند إلزام المحكوم عليه بالتعويض للمدعين بالحق الشخصي يُمثل انتقالاً فعلياً وحاسماً من العدالة النظرية إلى العدالة الإجرائية التطبيقية، حيث يتلازم الشقان الجزائي والمدني عبر عدم اكتفاء المحكمة بإيقاع العقوبة الجزائية الرادعة، بل التفاتها المباشر لجبر الضرر وإزالة الآثار المالية والاجتماعية الناجمة عن الجريمة للضحايا وعائلاتهم، وهو ما يُسهم في إعادة التأهيل المالي وتمكين ذوي الضحايا والناجين من مواجهة الأعباء المعيشية، والصحية، والنفسية القاسية التي عاشوها لسنوات.
صون لحقوق الضحايا

أكد الباحث والمختص بالقانون الدولي وحقوق الإنسان المعتصم بالله الكيلاني أن المحكمة مثلت محطة استثنائية ونموذجاً عملياً في مسار العدالة الانتقالية، وخاصة في توصيف محكمة الجنايات الرابعة بدمشق للوقائع بأنها “جرائم ضد الإنسانية” و”جرائم حرب”، ما يمثل خطوة قانونية نوعية تعزز مكانة القضاء السوري وتثبت جدارته.
وأوضح أن المحكمة استندت في تكييفها إلى عناصر قانونية دولية مثبتة، متجاوزة غاية تعطيل التقادم، لتلتزم بأدق معايير المحاكمة العادلة وتوفير حق الدفاع، مما يشجع التعاون الدولي في مجالات تسليم المطلوبين ونقل الأدلة.
وبيّن الكيلاني أن المحكمة طبقت معايير صارمة في إثبات المسؤوليات الجنائية للمشروع الإجرامي المشترك ومسؤولية القيادة في عهد النظام البائد، معتمدة على توفر ركن العلم والسيطرة الفعلية بدلاً من الاكتفاء بالرتبة أو الانتماء، مشيراً إلى أن القيمة الحقيقية للحكم تنبع من مشروعيته، واستقلالية المحكمة، بما يصون حقوق الضحايا والمتهمين معاً، ويؤسس لعدالة انتقالية موثوقة بعيدة عن الانتقائية.
التكامل بين القانون الوطني والدولي

من جهته، أكد عضو مجلس نقابة المحامين في حمص المحامي عمار عز الدين أن المحكمة استندت إلى قاعدة أساسية وهي التكامل بين القانون الوطني والقانون الدولي، مما يتيح للمحكمة توصيف الجرائم بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وفق القانون الجنائي.
وأشار عز الدين إلى أن منطوق الحكم وحيثياته جاء بمهنية قانونية عالية من جهة التوصيف القانوني والتناغم بين القانون الوطني والدولي، مع التأكيد على قاعدة أساسية أن الولاية الأساسية للقانون الوطني، مبيناً أن القانون الدولي يعتبر مكملاً للقانون الوطني مع توصيف الأفعال الجرمية للمتهم والحكم عليه بالعقوبة وفق قانون العقوبات السوري.
وعقدت أولى جلسات محاكمة وسيم الأسد في 24 حزيران الماضي، حيث واجه عدة تهم أبرزها إدارة وتشكيل مجموعات مسلحة غير نظامية بتكليف من العميد غياث دلا، قائد لواء في الفرقة الرابعة التابعة للنظام البائد بقيادة ماهر الأسد، منذ مطلع عام 2011 ومشاركتها في عمليات عسكرية استهدفت مناطق مدنية في الغوطة الشرقية، ولا سيما بلدة المليحة، ما أسفر عن مقتل مدنيين.
وكانت محكمة الجنايات الرابعة في دمشق قضت الثلاثاء الماضي، بإعدام المجرم وسيم الأسد ومصادرة أمواله المنقولة وغير المنقولة، بعد إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب بحق الشعب السوري خلال عهد النظام البائد، وذلك خلال الجلسة السادسة من المحاكمة المخصصة للنطق بالحكم.