دمشق-سانا
في الذكرى الأولى لانطلاقتها الجديدة تحت شعار ”سانا.. نقطة تحول”، تسعى الوكالة العربية السورية للأنباء “سانا” إلى استعادة هويتها كمنبر إعلامي وطني، بعد عقود من التسييس والخطاب الموجه، وتحضر في هذه الذكرى أصوات صحفيين انشقوا عن الوكالة ثم عادوا بعد التحرير، في تجربة تطرح دوافع الانشقاق، وظروف العودة، وآليات استعادة الحقوق، ودور هذه الكفاءات في تشكيل ملامح الإعلام الجديد.
دوافع الانشقاق

يلخص سكرتير التحرير الأول والمسؤول عن الإعلام الرقمي، يحيى الحاج نعسان دوافع انشقاقه بالقول: “إن المنظومة الإعلامية للنظام بدأت تشيطن الشعب السوري وتبرر القتل، بالتدرج من الرصاص الحي إلى الدبابات فالقصف الجوي ثم الأسلحة المحرمة دولياً”، مضيفاً: “كنا أمام مفصل تاريخي إما البقاء مع هذه المنظومة أو الوقوف مع الحق، باختصار لا يمكن البقاء في منظومة تدافع عن الإجرام وتقلب الحق باطلاً والباطل حقاً، ولا يمكنني العيش وفي داخلي احتقار لنفسي”.
بدوره، أحمد إبراهيم، محرر في مكتب الوكالة بإدلب، يقول: “رغم التضحية بسني الخدمة ولقمة عيش أسرتي إلا أن قراري بالانشقاق نابع من إرادتي التي أبت الاستمرار”، موضحاً أن سياسة الوكالة تعارضت مع أخلاقيات المهنة والمصداقية، وتحولت إلى فرع أمني يطعن بالثورة ويصف ما يحدث بالفبركة.
الصعوبات بعد الانشقاق
يقول الحاج نعسان متحدثاً عن التحديات الجسيمة التي تعرض لها بعد الانشقاق: ”القصف والجوع والحصار والقنص في الغوطة، لكن الأصعب كان ضغط أمن النظام البائد على أهلي”.
أما إبراهيم فيذكر أن التحدي الأبرز كان ”البحث عن مورد رزق” يكفيه وأسرته بعد فقدان وظيفته.
ورغم الظروف، واصل الحاج نعسان عمله الإعلامي بتوثيق الانتهاكات، وأسس مشاريع إعلامية تركت صدى واسعاً في الغوطة كجريدتي النبأ والنداء، وغيرهما، وبعد خروجه إلى إدلب ثم تركيا عام 2015، حصل على ماجستير في العلاقات الدولية والإعلام، وتعلم اللغة التركية، وألف كتاباً في الصحافة الرقمية بعنوان ”القواعد العشرون الذهبية في الصحافة الرقمية”.
أما إبراهيم فواصل الكتابة على وسائل التواصل، وعمل مديراً لمكتب إعلامي، ومسؤولاً إعلامياً في منظمة دولية، وخضع لدورات تدريبية عدة.
رحلة العودة
يقول الحاج نعسان: “لم أكن متحمساً بشكل كبير إلا أن الإدارة الجديدة رحبت بي، واحترمت موقفي وقدرت خبراتي”، مضيفاً: “تركت سانا محرراً وعدت سكرتير تحرير أول ومسؤولاً عن الإعلام الرقمي”.
ويشير الحاج نعسان إلى أن الإدارة وضعت العائدين وفق كفاءتهم، بعيداً عن سياسة الإقصاء.

بدوره، يقول إبراهيم: “قلبي ظل معلقاً بعملي، وأعادت فرحة التحرير إلي الأمل، وقد شجعني على العودة السياسة الجديدة وتوقيع الوكالة على مدونة السلوك المهني”.
وفي تقييمه للمؤسسة اليوم، يصف إبراهيم التحول بالمذهل، من ”صحفي ينتظر التعليمات” إلى ”صحفي ميداني يتحرى المعلومة”، مع التوسع بخمس لغات وشبكة مراسلين، مؤكداً أن ”الدقة والمهنية أصبحتا المعيار”.
تسوية الأوضاع وحفظ الحقوق

وعملت إدارة الوكالة بعد التحرير على تسهيل عودة الصحفيين المنشقين عبر تسوية أوضاعهم وحفظ حقوقهم ومستحقاتهم، حيث استعرض مدير التنمية الإدارية محمد زهير صالحه الإجراءات التي تبدأ بدراسة كل حالة وفق الأصول، والتأكد من المستندات، وإحالتها للجهات المعنية لتدقيقها ومراجعتها، لضمان معالجة قانونية تحفظ الحقوق، مع إعادة دمج العائدين ومساعدتهم على مواكبة التطورات.
وشدد على أن استعادة الكفاءات ليست استبدالاً للخبرات القائمة، بل تكامل، فالعائدون يضيفون خبرات دولية في الإعلام الرقمي، والهدف العام هو العمل بفريق واحد ورؤية مشتركة.
يشار إلى أن الوكالة العربية السورية للأنباء ”سانا ” أعلنت في 20 آب 2025، انطلاقتها الجديدة بعنوان ”سانا.. نقطة تحول”، وذلك خلال حفل أقيم في دمشق، بحضور وزراء وممثلين عن البعثات الدبلوماسية المعتمدة في سوريا، وعن اتحادات ونقابات ومؤسسات إعلامية محلية ودولية، وشخصيات ثقافية وفنية.