دمشق-سانا
نظمت وزارة العدل السورية اليوم الثلاثاء المؤتمر الوطني الأول للوساطة القضائية، بحضور عدد من الوزراء والمسؤولين والخبراء والقضاة والحقوقيين وأعضاء مجلس الشعب، وذلك في فندق البوابات السبع بدمشق، بهدف بحث دور الوساطة القضائية في تطوير منظومة العدالة وتفعيل وسائل بديلة ومرنة لتسوية المنازعات.
وناقش المؤتمر، الذي يشكل خطوة في مسار إعداد إطار وطني متكامل لقانون الوساطة القضائية الذي ستطلق مسودته قريباً عبر منصة إلكترونية، عدداً من المحاور المتعلقة بأثر الوساطة في دعم البيئة الاستثمارية، والإصلاح الأسري، وتجارب الوساطة بين الخبرات الدولية، إضافة إلى مناقشة مشروع قانون الوساطة وآليات تفعيله، بما يتناسب مع البيئة القانونية والقضائية في سوريا.
وتم خلال المؤتمر إطلاق المنصة الإلكترونية لمشروع قانون الوساطة القضائية، وفتح الاستبيان الوطني من خلال “CODE QR” والرابط الإلكتروني المخصص، وتلقي الملاحظات لمدة أسبوعين.
حوار وطني حول مفهوم الوساطة القضائية

وأكد وزير العدل مظهر الويس في كلمة له أن الوزارة سعت من خلال المؤتمر إلى إطلاق حوار وطني حول مفهوم الوساطة القضائية قبل إحالة مشروع القانون إلى مجلس الشعب، بهدف تعريف المجتمع بهذا المفهوم وتعزيز القبول به، وإتاحة المجال أمام مختلف الجهات المعنية للمشاركة في مناقشة المشروع وتطويره.
وأوضح الويس أن المؤتمر لا يهدف فقط إلى إطلاق قانون للوساطة، وإنما إلى تأسيس مسار وطني حول الوساطة القضائية، مشيراً إلى أن مشروع القانون يمثل أحد مكونات هذا المسار، وأن النقاش حوله سيبقى مفتوحاً خلال الفترة المقبلة، بما يتيح إبداء الملاحظات وتطوير المسودة والاستفادة من مختلف الآراء والخبرات.
الاستفادة من تجربة مجالس الصلح
وبين الويس أن مشاركة وزارات وجهات متعددة في المؤتمر تأتي انطلاقاً من أهمية التشاركية في إعداد القوانين، ولا سيما أن الوساطة ترتبط بجوانب ثقافية واقتصادية وإدارية واجتماعية، لافتاً إلى أهمية الاستفادة من تجربة مجالس الصلح في المحافظات، وما راكمته من خبرات في مجال الحلول الودية والتصالحية.
وأشار وزير العدل إلى أن الوساطة ليست مفهوماً مستورداً أو غريباً عن المجتمع السوري والعربي، بل هي جزء من ثقافة الحوار والإصلاح وحل النزاعات بالطرق الودية، مؤكداً أن العودة إلى هذه الثقافة تأتي ضمن مسار تطوير الفكر القانوني ومفهوم العدالة.
توسيع مفهوم العدالة
ولفت الوزير الويس إلى ضرورة توسيع مفهوم العدالة بحيث لا يقتصر على إصدار الأحكام داخل المحاكم، وإنما يشمل الوصول إلى الحقوق بالوسائل القانونية المختلفة، سواء عبر القضاء أو الوساطة أو الجهات الإدارية والمؤسساتية، مشدداً في الوقت ذاته على أهمية تحقيق عدالة سريعة وناجزة من دون أن تكون السرعة على حساب الكفاءة والدقة.
وأوضح الوزير الويس أن الوساطة يمكن أن توفر مرونة أكبر في معالجة النزاعات، وتختصر الوقت والإجراءات، ولا سيما في القضايا المالية والأسرية والخلافات بين المستثمرين، في حين تبقى الجرائم الكبرى والجرائم التي تهدد أمن المجتمع ضمن اختصاص القضاء، مؤكداً أن الوساطة لا تنافس القضاء وإنما تساعده وتكمل دوره.
تشجيع النشاط الاقتصادي والاستثماري
من جانبه، أكد وزير الثقافة محمد ياسين صالح خلال مداخلة له، أن المجتمعات قادرة على معالجة كثير من مشكلاتها من خلال خطوات أولية وحلول مجتمعية تسبق تدخل الحكومة، من دون الاستغناء عن القانون عند الحاجة.
وأشار الوزير صالح إلى أن الوساطة يمكن أن تسهم في تشجيع النشاط الاقتصادي والاستثماري، بما يدعم حالة الانتعاش الاقتصادي التي تحتاجها سوريا خلال المرحلة الراهنة، مؤكداً أهمية أن يتوازى قانون التحكيم القائم مع قانون للوساطة، باعتبارها عودة إلى ثقافة مجتمعية أصيلة في سوريا.
تطوير وسائل تسوية المنازعات
بدوره، أوضح عضو إدارة التشريع القاضي الدكتور أحمد نجيب أن مشروع قانون الوساطة يأتي في إطار تطوير وسائل تسوية المنازعات، وتوفير طريق قانوني يقوم على الحوار والتفاوض للوصول إلى تسوية رضائية إلى جانب الطريق القضائي التقليدي، بما يتيح للمتنازعين معالجة نزاعاتهم بمرونة أكبر، مع الحفاظ على حقوقهم والضمانات القانونية المقررة لهم.
وبين نجيب أن مشروع القانون يعرّف الوساطة بأنها وسيلة ودية لتصفية المنازعات الناشئة أو التي قد تنشئ بين الأطراف علاقة قانونية عقدية كانت أم غير عقدية، يستعينون فيها بوسيط لتقريب وجهات النظر ومساعدتهم على التوصل إلى تسوية، من دون أن يمتلك صلاحية فرض أي حل عليهم، سواء كانت الوساطة اتفاقية أم تمت في إطار دعوى قضائية.
وأوضح نجيب أن الوسيط لا يصدر حكماً ولا يفرض تسوية، وإنما يتولى إدارة الحوار وتقريب وجهات النظر ومساعدة الأطراف على الوصول بأنفسهم إلى حل يوافقون عليه، لافتاً إلى أن الوساطة تختلف عن القضاء والتحكيم، إذ يفصل القاضي في النزاع بحكم ملزم، بينما يصدر المحكم حكماً تحكيمياً، في حين تبقى إرادة الأطراف هي الأساس في الوساطة.
تطوير منظومة العدالة
كما أكد عضو مجلس الشعب المحامي هشام الأفيوني في كلمة له أن المؤتمر يمثل خطوة مهمة في مسار تطوير منظومة العدالة في سوريا، مشيراً إلى أن الوساطة أصبحت في الأنظمة القانونية الحديثة إحدى الأدوات الأساسية لتسوية المنازعات بوسائل أكثر مرونة.
وأوضح الأفيوني أن الوساطة ليست بديلاً عن القضاء، وإنما أداة حديثة من أدوات العدالة، تقوم على الصلح والوصول إلى حل سريع وناجز برضا الأطراف، بعيداً عن منطق المنتصر والخاسر، بما يسهم في إنهاء النزاع بطريقة سلمية ومرضية لجميع الأطراف.
وأشار إلى أن توسع الدول في اعتماد الوساطة خلال العقود الأخيرة يرتبط بعدد من العوامل، أبرزها تخفيف العبء عن المحاكم، واختصار زمن حل النزاعات، وتقليل نفقات التقاضي، والمحافظة على العلاقات الاجتماعية والتجارية، إضافة إلى ضمان قدر أكبر من السرية والمرونة في صياغة الحلول.
ولفت إلى أن السرية تشكل عنصراً أساسياً في الوساطة، بما يمنح الأطراف مساحة أوسع لطرح مواقفهم ومقترحاتهم بحرية، ويساعدهم على الوصول إلى تسوية توافقية، مؤكداً أن الوساطة تعزز مسؤولية الأطراف في حل نزاعاتهم، وتنقل جانباً من مهمة الوصول إلى الحل من المسار القضائي التقليدي إلى أصحاب النزاع أنفسهم.
وكانت وزارة العدل نظمت في 27 تموز الماضي الورشة الوطنية لمراجعة مسودة مشروع مدونة السلوك القضائي، بمشاركة قضاة وخبراء ومتخصصين، بهدف مراجعة المشروع ومناقشة مضامينه بصورة تشاركية، وذلك في دمشق.






