دمشق-سانا
منذ أكثر من عشرين عاماً، لم يفارق وسام عليّا مقعد السائق الذي تحوّل بالنسبة لأهالي وادي بردى إلى رمز للنجاة، خلال سنوات الحرب والحصار، كان يقتحم الطرق الخطرة ليصل بالمرضى إلى دمشق، واليوم يواصل المهمة نفسها بالروح ذاتها، وينقذ حياة العشرات في أصعب الظروف.
أهالي المنطقة يطلقون عليه لقب “السائق الرصاصة” لسرعة استجابته لحالات الطوارئ والحوادث، ولأنه عوّض خلال سنوات الحرب غياب سيارات الإسعاف والمراكز الطبية، حيث تعرض وادي بردى شمال غرب دمشق لقصف عنيف من قوات النظام البائد، إضافة إلى حرمان من الخدمات، ما جعل الأهالي يعتمدون بشكل كبير على شبكات نقل وإسعاف غير رسمية.
حادث في الطفولة رسم مسار حياته
يقول عليّا لـ سانا: لا توجد سيارات إسعاف ولا مستشفيات في وادي بردى، إذا لم أقم بهذا العمل، فمن غيري سيقوم به.
ويضيف: بدايتي مع أعمال الإنقاذ تعود إلى حادث دراجة هوائية في طفولتي، عندما نقلني أحد الجيران إلى مستشفى المواساة في دمشق لإجراء عملية جراحية، وهي تجربة رسّخت لدي شعوراً بالمسؤولية تجاه الآخرين، وشكلت مسار حياتي لاحقاً، وبعد إنهاء دراستي بدأت عام 2001 بمساعدة ضحايا الحوادث مستخدماً دراجة نارية اشتريتها آنذاك.
سنوات الثورة … حصار وقصف وشبكات إسعاف بديلة
ومع انطلاق الثورة السورية ضد نظام بشار الأسد عام 2011 والحرب التي شنها على الشعب، تدهورت الأوضاع الصحية في وادي بردى بشكل حاد، وتعرضت المنطقة لحصار وقصف متكرر، ما دفع الأهالي للاعتماد على مبادرات فردية لنقل المرضى.
ويقول عليّا: إنه عمل إلى جانب فرق الدفاع المدني والإسعاف في إجلاء الجرحى وتوثيق الإصابات، وإنه كان ينقل الجرحى إلى مستشفيات وعيادات دمشق، مستخدماً وثائق بديلة أو مزوّرة لتجاوز الحواجز الأمنية وتجنب الاعتقال، بمن في ذلك منشقون عن الجيش ومتخلفون عن الخدمة العسكرية ومطلوبون للأجهزة الأمنية معتمداً على علاقات شخصية داخل المستشفيات وتصاريح حصل عليها عبر الرشوة لتسهيل المرور.
ويوضح أن هذه الأنشطة أدت إلى اعتقاله وتعذيبه عدة مرات عند الحواجز العسكرية والأمنية، فيما تعرض منزله لأضرار نتيجة القصف بالبراميل المتفجرة.
معركة وادي بردى… إجلاء تحت النار
ويبيّن عليّا أنه شارك خلال معركة وادي بردى بين 23 كانون الأول 2016 و29 كانون الثاني 2017، في عمليات الإجلاء الطبي ونقل الجرحى إلى مستشفيات خارج المنطقة.
ويشير إلى أن الحرب طالت عائلته بشكل مباشر، إذ قُتل شقيقه الأكبر أحمد، قائد وحدة الدفاع المدني في المنطقة، فيما غادر شقيقاه عبد الكريم وبدر الدين إلى إدلب بعد دخول قوات النظام البائد إلى المنطقة.
ويلفت عليّا إلى أنه بقي في المنطقة لرعاية أقاربه ومساعدة الأهالي الذين كانوا يخشون مغادرة الوادي لتلقي العلاج خوفاً من الاعتقال، موضحاً أن عشرات المرضى والعاملين في القطاع الصحي تعرضوا للاعتقال أو القتل بعد ورود أسمائهم على قوائم المطلوبين، وأنه استخدم أحياناً وثائق تعود لأشخاص متوفين أو لأشخاص يشبهون المرضى المطلوبين لتأمين العلاج للمرضى.
ويقول: في الـ8 من كانون الأول 2024، وخلال معركة “ردع العدوان” تلقيت اتصالاً لإجلاء أحد الثوار المصابين عند حاجز قرب وادي بردى، ليتبين لاحقاً أن المصاب هو محمد، ابن شقيقي الأصغر بدر الدين، الذي توفي لاحقاً في المستشفى.
شهادات من القطاع الطبي والأهالي
وصف عاملون في القطاع الطبي بوادي بردى عليّا بأنه عنصر موثوق في حالات الطوارئ، حيث قال الجراح أحمد فرحان سرور: إنه يجمع بين “روح الدعابة والأعصاب الحديدية”، وإنه كان داعماً دائماً للفرق الطبية في الظروف الصعبة.
فيما يستذكر الأهالي دوره خلال سنوات الحصار، مؤكدين أنه كان يرفض تقاضي أي أجر مقابل نقل المرضى.
ورغم كل ما خسره خلال سنوات الحرب، يواصل وسام عليّا نقل المرضى بشكل تطوعي إلى مستشفيات دمشق وريفها، لا ينتظر مقابلاً ليكون اليد التي تمتد حين تضيق الخيارات، وخط الحياة الذي لم ينقطع مهما تغيّرت الظروف.