دمشق-سانا
أكد إعلاميون وحقوقيون سوريون أن التقدم اللافت الذي حققته سوريا في مؤشر حرية الصحافة الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، اليوم الخميس، يعكس تغيرات جوهرية في البيئة الإعلامية داخل البلاد، وارتفاعاً ملحوظاً في مستوى الانفتاح ومساحة التعبير مقارنة بالسنوات السابقة.
وفي تصريح لـ سانا اعتبر مراسل قناة الجزيرة وعضو المكتب التنفيذي لاتحاد الصحفيين ميلاد فضل، أن التقرير يشكل مؤشراً مهماً على تحسن كبير في موقع سوريا ضمن تصنيف حرية الصحافة، خصوصاً مع تحقيقها تقدماً غير مسبوق بهذا الحجم.
وقال فضل: “إن هذا التطور يُفهم في سياقه العام باعتباره نتيجة تغيرات سياسية وانفتاح في المجال العام بعد مرحلة طويلة من القيود الشديدة والديكتاتورية التي كانت تسخّر كل شيء لمصالح الفئة الحاكمة على حساب الشعب، ومن أهم أدواتها قمع حرية الرأي والتعبير”.
نقلة نوعية في حرية الصحافة
وأضاف: “سوريا اليوم حققت نقلة نوعية في حرية الصحافة، وكان يجب أن تكون في موقع أفضل بكثير ضمن التصنيف، لأن المؤشرات الدولية غالباً ما تقيس الجوانب القانونية والهيكلية، بينما الواقع المهني اليومي يعكس مستوى تحسن بوتيرة مرتفعة جداً”.
وأشار فضل إلى تغييرات ملموسة في الممارسة المهنية، منها التوسع الكبير في العمل الإعلامي، وتراجع أشكال التضييق المباشر، وتنوع مصادر المعلومات والمنصات العاملة داخل البلاد، لافتاً إلى تحول الإعلام الحكومي نفسه إلى “سلطة رقابية تنقل هموم الناس وشكاواهم، بعدما كان سابقاً مصدراً لتزييف الحقائق وتمجيد الشخص الواحد”.
ورغم ذلك، يرى فضل أن “التحديات لا تزال قائمة، أبرزها غياب إطار قانوني شامل يحمي الصحفيين، واستمرار بعض القيود غير المباشرة المتعلقة بالوصول إلى المعلومات، إضافة إلى الضغوط الاقتصادية التي تؤثر على استقلالية المؤسسات الإعلامية”، مؤكداً أن “التحسن الحالي يحتاج إلى خطوات مؤسساتية أعمق لضمان حرية صحافة مستدامة”.
مساحة التعبير اتسعت
من جهتها، رأت مراسلة تلفزيون LTV هيلين ملا خليل، أن تقدم سوريا في تقرير المنظمة الدولية “انعكاس طبيعي لما شهدناه على أرض الواقع”، مؤكدة أن التقرير لم يأتِ من فراغ، بل نتيجة لمساحة الحرية التي ظهرت بوضوح في الفعاليات والاعتصامات الأخيرة.
وقالت خليل: “رأينا الباب يُفتح أمام الجميع للتعبير عن آرائهم بصراحة، سواء كانت إيجابية أو سلبية، دون قيود أو مخاوف، وهذا أعطى صورة حقيقية عن حيوية الشارع السوري وقدرته على النقد والبناء”.
وأشادت بالدور الذي أدته وزارة الإعلام في دعم عمل الصحفيين، مضيفة: “وجدتُ في الوزارة شريكاً حقيقياً، حيث قدمت لنا كل التسهيلات والموافقات اللازمة، وكانت الاستجابة سريعة حتى في أوقات متأخرة من الليل، وهذا يعكس ذهنية عمل جديدة”.
وتحدثت خليل عن أبرز التغييرات التي سهّلت عمل الصحفيين، ومنها: تحول دور الجهات التنظيمية من الرقابة إلى الدعم والمساندة، ما منح الصحفيين شعوراً بالأمان والمسؤولية والمرونة في الميدان، وسرعة الحصول على الموافقات للتغطيات المباشرة للفعاليات الشعبية والاحتجاجية.
أما التحدي الأكبر من وجهة نظرها فهو “المسؤولية الرقمية”، موضحة أن منصات التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة لنشر التحريض والإساءات، ما يتطلب وعياً مجتمعياً يميز بين حرية الرأي وخطاب الكراهية.
استعادة سوريا لهويتها الحضارية
الحقوقي السوري منصور العمري اعتبر أن تقدم سوريا في مؤشر حرية الصحافة يمثل “رد اعتبار لهوية سوريا الحضارية”، بعد أن شوه النظام البائد سمعتها في المحافل الدولية بسبب القمع والانتهاكات.
وقال العمري: “إن خروج سوريا من قاع التصنيف لأول مرة منذ 25 عاماً هو انعطافة تاريخية، واعتراف دولي بتغيير حقيقي وملموس على أرض الواقع”، مؤكداً أن هذا التقدم لم يكن ليحدث لولا “تضحيات الناشطين والصحفيين، وجهود المنظمات السورية التي وثقت الانتهاكات، إضافة إلى العمل المخلص من مؤسسات الدولة ووزاراتها المعنية”.
وأشار العمري إلى أن هذه القفزة ليست نهاية الطريق بل بدايته، مؤكداً ضرورة تطوير الأطر القانونية التي تحمي حرية الصحافة وتدعم استقلاليتها، لأن “الصحافة الحرة والمهنية أحد أسس البناء والعمران في سوريا”.
وأجمع الإعلاميون والحقوقيون الذين تحدثوا في هذا السياق على أن التقدم في مؤشر حرية الصحافة يعكس تغيراً حقيقياً في المشهد الإعلامي السوري، لكنه في الوقت ذاته يتطلب عملاً مؤسساتياً مستمراً لضمان استدامته، وتعزيز بيئة إعلامية قائمة على المهنية والشفافية واحترام حرية التعبير.