دمشق-سانا
يعيش الدمشقيون حالة استثنائية من التآخي الروحي، إذ يتزامن شهر رمضان المبارك هذا العام، بشكل شبه كامل مع الصوم الكبير عند الطوائف المسيحية الشرقية، لترسم مدينة دمشق في هذا التلاقي النادر بين زمنين مقدّسين، مشهداً فريداً يليق بتاريخ عنوانه التقوى والسلام.
الموعد الفلكي والديني
بدأ شهر رمضان هذا العام يوم الخميس الـ 19 من شباط، ما يعني أن الأسبوعين الأول والثاني من الصوم الكبير عند أبناء الطوائف المسيحية الشرقية تزامنا مع انطلاق شهر رمضان الكريم، حيث لا يتكرر هذا التزامن بشكل سنوي، لاختلاف التقويمين الهجري والميلادي، ليصنع لحظة زمنية يلتقي فيها صوم بصوم، وتأمل بتأمل.
ذروة الروحانيات
في دمشق القديمة، يتخذ التزامن أبعاداً اجتماعية عميقة، ففي أحياء مثل القصاع وباب توما وباب شرقي والميدان والصالحية، تعود عادة “السكبة”، وهي عادة متوارثة يتبادل فيها الجيران أطباق الطعام خلال فترة الصوم.
مصطفى العبد الله المقيم في حي الصالحية الذي اعتاد منذ صغره تبادل المعايدات والتهاني مع جيرانه المسيحيين في المناسبات الدينية، يجد تزامن الصيامين مناسبة لتعزيز التآخي وتبادل السكبة مع جيرانه، وقال: “هذا العام تُعد زوجتي بشكل شبه يومي طعاماً يناسب صيام جيراننا المسيحيين، كاليالنجي والبطاطا المشوية”، لأن طعامهم خلال الصوم لا يحتوي على أي مشتقات حيوانية.
ماري الخوري قالت: “لم أعش سنوات كثيرة يتزامن فيها الصومان المسيحي والإسلامي معاً، لكن في هذا العام فرصة لتعزيز أواصر المحبة والعلاقات الاجتماعية مع الجيران”، وأضافت: “إن الجلسات المسائية تضيف طابعاً من الحميمية وخاصةً مع الحلويات الرمضانية كالمعروك والناعم، ومع التمر الهندي”.
وتمتد هذه الروح إلى المؤسسات الدينية، حيث تنظم بعض الكنائس في دمشق وريفها موائد إفطار يومية يشارك في إعدادها مسلمون ومسيحيون، كما أنه في المناطق المختلطة، يتزين المشهد البصري بهلال وفوانيس رمضان، إلى جانب شموع وزينة عيد القيامة.
ويبعث هذا التزامن رسالة مفادها أن الصيام، سواء كان انقطاعاً عن الطعام والشراب من الفجر حتى المغرب عند المسلمين، أو امتناعاً عن المنتجات الحيوانية لأربعين يوماً عند المسيحيين، يبقى في جوهره مدرسة للقيم المشتركة هي الرحمة والصبر والتضامن والتآخي الإنساني.