دمشق-سانا
لا تزال الأرض السورية تبوح بأسرارها الثقيلة بعد سقوط النظام البائد، كاشفةً عن واحدة من تفاصيل الأحداث المؤلمة التي مر بها الشعب السوري، حيث يتقاطع فيها ملف المفقودين مع اكتشاف المقابر الجماعية المستمر في مشهدٍ يختصر سنوات طويلة من الألم والانتظار.
في حي التضامن بدمشق، عاد الحزن ليفتح جراحاً لم تلتئم، شهادات جديدة من سكان الحي كشفت عن تفاصيل أحبائهم الذين كانوا ضحية مجزرة أخرى ارتكبها عناصر النظام البائد في تلك المنطقة، حيث تحوّلت الأرض التي كانت مسرحاً للحياة اليومية إلى شاهدٍ صامت على عدة جرائم جماعية.

ويستعيد محمد حسن، أحد سكان الحي بمرارة ما عاشه الأهالي بعد عام 2011، مطالباً بإنصاف الضحايا وكشف الحقيقة، ويستذكر كيف أن مداهمات ميليشيا النظام البائد أسفرت عن مجازر جماعية راح ضحيتها نساء وأطفال وشباب، لافتاً إلى أن عدد الضحايا في حي التضامن بحارة التركمان وحدها يقدَّر بنحو 400 شهيد، مع وجود مخاوف من أن يكون العدد الحقيقي أكبر، في ظل استمرار فقدان العشرات، وعدم معرفة مصيرهم حتى اليوم.

زوجة الشهيد عمر أحمد حسن، تحدثت بصوتٍ مثقل بالحزن عن سنواتٍ طويلة من الانتظار، منذ أن فُقد ثلاثة من إخوة زوجها خلال المجزرة التي شهدها حي التضامن بين عامي 2012 و2013، وتروي الزوجة أن إخوة زوجها اعتُقلوا ليلاً من منازلهم على يد قوات النظام البائد التي كانت تسيطر على المنطقة في تلك الفترة، دون أي تهمة أو توضيح، وتتابع حديثها لمراسل سانا: “دخلوا البيوت فجأة، وأخذوا الرجال من بين عائلاتهم، لم نعرف إلى أين ذهبوا، ولا لماذا أُخذوا، في تلك الليلة تغيّرت حياتنا كلها”.
وتضيف: “العائلة عاشت شهوراً وسنوات من القلق والبحث، متنقلة بين الأمل واليأس، من دون أن نحصل على أي إجابة واضحة حول مصيرهم، كنا نطرق كل باب، نسأل كل جهة، لكن الصمت كان هو الجواب الوحيد”، موجهةً نداءً إنسانياً للمسؤولين، ومطالبةً بإنصاف الشهداء والمفقودين، وتقول: “نريد فقط أن يُكرَّم شهداؤنا، وأن تتوقف أي أعمال بناء أو تعمير فوق أماكن دفنهم قبل معرفة الحقيقة، أقل حق لهم أن يُدفنوا بكرامة”.

ومنذ عام 2012، تعيش سميرة علي على وقع انتظارٍ ثقيل لا ينتهي، انتظار أسماء غابت، ووجوهٍ لم تعد، وبيتٍ فقدَ دفأه دفعةً واحدة، حيث تختلط الذاكرة بالألم جراء قصة شقيقها وأولاده وزوجته الذين اعتُقلوا في شهر آب من عام 2013 على يد ميليشيا الدفاع الوطني التابعة للنظام البائد، والتي كانت تسيطر على المنطقة في تلك الفترة.
تقول سميرة: “لم يُترك لهم وقت للوداع، ولم يُقدَّم أي تفسير، أخذوهم فجأة، وكأنهم اختفوا من الحياة”, مؤكدةً أن “مطلب العائلة كان ولا يزال إنسانياً بحتاً وهو فتح المقابر الجماعية التي يُعتقد أن الضحايا دُفنوا فيها، ومعرفة الحقيقة، وتكريم من فقدوا حياتهم، نريد لهم قبراً معروفاً، اسماً، وكرامة، هذا أقل ما يستحقونه”.

ويستعيد محمد حسن، أحد سكان الحي بمرارة ما عاشه الأهالي بعد عام 2011، مطالباً بإنصاف الضحايا وكشف الحقيقة، ويستذكر كيف أن مداهمات ميليشيا النظام البائد أسفرت عن مجازر جماعية راح ضحيتها نساء وأطفال وشباب، لافتاً إلى أن عدد الضحايا في حي التضامن بحارة التركمان وحدها يقدَّر بنحو 400 شهيد، مع وجود مخاوف من أن يكون العدد الحقيقي أكبر، في ظل استمرار فقدان العشرات، وعدم معرفة مصيرهم حتى اليوم.
وأشار حسن إلى أن الأهالي يعيشون منذ سنوات على أمل تحقيق العدالة، قائلاً: “لم ننسَ أبناءنا، ولم نتجاوز ما حدث، نطالب بفتح تحقيقات نزيهة، ومحاسبة كل من تورط في قتل المدنيين، وكشف مصير المفقودين”.
وكانت الهيئة الوطنية للمفقودين استجابت أمس الأربعاء لبلاغ حول وجود موقع يُشتبه بأنه مقبرة جماعية في حي التضامن بمدينة دمشق، واتخذت الإجراءات اللازمة لحماية الموقع بالتنسيق مع الجهات المختصة وفرق الدفاع المدني السوري، بما يضمن الحفاظ على الرفات ومنع العبث بالموقع، مع مراعاة متطلبات السلامة وسلسلة الحفظ، وتنفيذ تدخل محدود وفق الإجراءات الفنية المعتمدة عند الضرورة.
وفيما تتواصل عمليات البحث عن المزيد من المقابر الجماعية، يبقى السؤال معلقاً في قلوب آلاف العائلات السورية.. متى تنتهي رحلة الانتظار؟ وتتحول الحقيقة إلى خطوة أولى نحو تحقيق العدالة الانتقالية.