دمشق-سانا
لم يكن تحرير سوريا من النظام البائد في الثامن من كانون الأول 2024 مجرد حدثٍ داخليٍّ أنهى حقبة الاستبداد، بل شكّل نقطة تحول استراتيجية أعادت البلاد إلى الساحتين العربية والدولية، بعد عقود من العزلة.
فقد تحولت دمشق، التي كانت معزولة بفعل سياسات النظام البائد، إلى مركز دبلوماسي نشط يستقبل الوفود العربية والدولية، وخاصة بعد مؤتمر إعلان انتصار الثورة السورية في الـ 29 من كانون الثاني 2025، وتولي القائد “أحمد الشرع” رئاسة الجمهورية، في مؤشرٍ واضحٍ على عودة سوريا التدريجية إلى مكانتها الطبيعية كدولة محورية في المنطقة.
أولويات البناء: من التحرير إلى التنمية

وفي كلمته خلال المؤتمر، الذي حضره ممثلون واسعون عن فصائل إدارة العمليات العسكرية وقوى الثورة السورية، حدد الرئيس الشرع أولويات المرحلة المقبلة، بملء فراغ السلطة، والحفاظ على السلم الأهلي، وبناء مؤسسات الدولة على أسس حديثة، وتطوير بنية اقتصادية تنموية، واستعادة الدور الإقليمي والدولي لسوريا.
وشدّد الرئيس الشرع على أن النصر تكليفٌ، وأن مسؤولية المنتصرين تزداد ثقلاً بعد التحرير، قائلاً: “كما عزمنا سابقاً على تحرير سوريا، فإن الواجب اليوم هو العزم على بنائها وتطويرها”، مضيفاً: إن النصر تحقق بفضل تضافر الجهود، حيث كسر الثوار القيود بفضل من الله، وحرّروا المعذبين، ونفضوا عن كاهل الشام غبار الذل ليشرق فجر جديد من الكرامة والحرية.
سياسة خارجية متوازنة ومتعددة الأبعاد
من جانبه، أوضح وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني أن سوريا الجديدة ستعتمد سياسة خارجية متوازنة ومتعددة الأبعاد، تهدف إلى طمأنة الشركاء الدوليين، وتوضيح الرؤية المستقبلية، وكسب الأصدقاء، مع التركيز على بناء علاقات تقوم على التعاون المشترك والاحترام المتبادل والشراكات الاستراتيجية، مؤكداً أن الأولوية ستظل للعلاقات العربية، مع مواصلة تعزيز الروابط مع الدول المجاورة، وبناء شراكات جديدة تُسهم في دعم مسيرة التعافي والتنمية.
حل جميع مؤسسات النظام البائد

كما ألقى المتحدث باسم إدارة العمليات العسكرية العقيد حسن عبد الغني بيان إعلان انتصار الثورة، الذي نصّ على اعتبار الثامن من كانون الأول من كل عام يوماً وطنياً، وإلغاء العمل بدستور 2012، ووقف العمل بجميع القوانين الاستثنائية، وحل مجلس الشعب واللجان المنبثقة عنه، وحل جيش النظام البائد، وإعادة بناء الجيش السوري على أسس وطنية ومهنية.
وتضمّن البيان أيضاً حل جميع الأجهزة الأمنية والميليشيات التابعة للنظام البائد، وتشكيل مؤسسة أمنية وطنية جديدة لحماية المواطنين، وحل حزب البعث العربي الاشتراكي وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية ومنظماتها، مع حظر إعادة تشكيلها تحت أي مسمّى، وتحويل جميع أصولها إلى الدولة.
ونصّ البيان كذلك على دمج الفصائل العسكرية والأجسام الثورية في مؤسسات الدولة، وتولّي القائد أحمد الشرع رئاسة الجمهورية في المرحلة الانتقالية، وتفويضه بتشكيل مجلس تشريعي مؤقت للمرحلة الانتقائية، يتولى مهامه إلى حين إقرار دستور دائم للبلاد ودخوله حيز التنفيذ.
22 زيارة لعواصم القرار وحضور أممي

على الصعيد الخارجي، رسم الرئيس الشرع ملامح استراتيجية جديدة لسوريا من خلال 22 زيارة إلى عواصم القرار، توجّت بحضور أممي بارز في نيويورك، حيث بدأ هذه الزيارات من السعودية التي زارها لاحقاً مرتين، تلتها تركيا (ثلاث زيارات)، وقطر (ثلاث زيارات)، وروسيا (مرتين)، والإمارات (مرتين)، إضافة إلى البحرين والكويت والأردن ومصر وفرنسا والبرازيل وأذربيجان، وصولاً إلى واشنطن كأول رئيس سوري يزور العاصمة الأمريكية منذ استقلال البلاد عام 1946.
وكانت آخر زياراته يوم أمس الأربعاء إلى موسكو، حيث أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعم بلاده الثابت لسيادة سوريا ووحدة أراضيها، وتأييده لجهود الرئيس الشرع في استعادة الوحدة الترابية، بما في ذلك مناطق شرق الفرات.
دمشق تستقبل العالم: أكثر من 70 وفداً
وبالتزامن مع هذا الانفتاح، أصبحت دمشق مقصداً لقادة ومسؤولين من مختلف أنحاء العالم، حيث استقبلت أكثر من 70 وفداً عربياً ودولياً وأممياً، جسّدت دعماً سياسياً ومعنوياً لسوريا في مرحلتها الجديدة، وعبّرت عن رغبة المجتمع الدولي في إعادة إدماجها كدولة طامحة إلى الاستقرار، لا كبلد خارج من الحرب فقط، بل كشريك فاعل في صنع التوازنات الإقليمية.
رفع العقوبات الغربية
وأسفرت الجهود الدبلوماسية عن رفع العقوبات الأمريكية وفي مقدمتها “قانون قيصر”، والأوروبية المفروضة سابقاً بسبب جرائم النظام البائد، وتوقيع أكثر من 40 اتفاقية ومذكرة تفاهم مع دول ومنظمات وشركات عالمية وعربية، شملت قطاعات النقل والطاقة والبنية التحتية والصحة والتعليم والزراعة، بهدف تعزيز البنية التحتية، وفتح آفاق استثمارية جديدة، وتهيئة بيئة اقتصادية جاذبة لإعادة الإعمار والتنمية المستدامة.
إصلاحات دستورية ومؤسسية
أما على الصعيد الداخلي، فقد صدّق الرئيس الشرع في آذار الماضي على الإعلان الدستوري المؤقت، وأجريت انتخابات مجلس الشعب في تشرين الأول، وتم توقيع اتفاقيتي الـ 10 من آذار 2025 والـ 18 من كانون الثاني 2026 لدمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سوريا ضمن مؤسسات الدولة، كما صدر المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الذي يؤكد أن المواطنين السوريين الكرد جزءٌ أصيلٌ من النسيج الوطني، وأن هويتهم الثقافية واللغوية مكوّنٌ أساسي من الهوية السورية الجامعة.
هيئات وطنية وتحوّل اقتصادي
وعلاوة على ذلك، تم تشكيل هيئات وطنية متخصصة، أبرزها الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، والهيئة الوطنية للمفقودين، واللجنة العليا للسلم الأهلي، واللجنة الوطنية المستقلة للتحقيق في أحداث الساحل السوري، واللجنة الوطنية للتحقيق في أحداث السويداء، والصندوق السيادي لتنفيذ مشاريع تنموية، والمجلس الأعلى للتعليم لتوحيد المناهج، كما جرت استعادة المنشآت الحيوية، وتصدير أول شحنة نفط لتحويل القطاع من عبء إلى رافد للموازنة، وزيادة الرواتب بنسبة 200 %، وإطلاق العملة الوطنية الجديدة بعد حذف صفرين لتعزيز الاستقرار النقدي.
بسقوط النظام البائد، شهدت سوريا تحولاً استراتيجياً تمثّل في إنهاء نفوذ إيران وإخراج ميليشياتها، وقطع خطوط التواصل بين طهران وميليشيا “حزب الله” اللبناني عبر الأراضي السورية، لتنطلق سوريا الجديدة في مسار استعادة علاقاتها العربية، ومع تركيا والغرب، وقد عكس الانفتاح الدولي تجاه سوريا رغبة في إعادة دمجها بشكل فعّال ضمن محيطها الإقليمي والدولي، لا كدولة منهكة خارجة من الحرب، بل كشريكٍ واثق يسعى إلى بناء علاقات متوازنة تخدم مصالح شعبها، وتعزز أمن المنطقة واستقرارها.