دمشق-سانا
لفظ جزّار حماة رفعت الأسد أنفاسه الأخيرة اليوم الأربعاء، تاركاً واحداً من أعمق الجراح في الذاكرة السورية الحديثة، حيث ارتكب مجزرة حماة عام 1982 التي راح ضحيتها أكثر من 40 ألف شهيد، لكنها ليست النقطة السوداء الوحيدة في سجله وسجل عائلته “الأسد” التي امتهنت الإجرام بحقّ السوريين لـ 54 عاماً.
فبعد أن شكّل ما عُرف بـ”سرايا الدفاع” القوة العسكرية الخاصة التي لا تتبع للجيش النظامي، قاد حملة عسكرية دموية على مدينة حماة استمرت 27 يوماً، وأسفرت وفق تقديرات اللجنة السورية لحقوق الإنسان، عن استشهاد أكثر من 40 ألف شخص، وتدمير واسع النطاق للبنية التحتية.
لكن مجزرة حماة لم تكن الوحيدة في سجل رفعت الأسد، فقبل ذلك بعامين، في أعقاب محاولة اغتيال شقيقه المجرم حافظ الأسد في حزيران 1980، أمر “رفعت” بتنفيذ مجزرة في سجن تدمر، حيث قُتل مئات السجناء السياسيين على يد عناصر “سرايا الدفاع”، في واحدة من أبشع عمليات الانتقام في تاريخ سوريا الحديث.
“سرايا الدفاع” وبناء إمبراطورية موازية
وخلال سبعينيات القرن الماضي، بنى رفعت نفوذاً عسكرياً وسياسياً واسعاً، مستفيداً من موقعه كشقيق للرئيس، وتحوّلت “سرايا الدفاع” إلى قوة موازية للجيش، بلغ عدد عناصرها نحو 40 ألف مقاتل، وامتد نفوذها ليشمل قطاعات مدنية، بما في ذلك التعليم العالي، فقد عُيّن رفعت رئيساً للمحكمة الدستورية، كما أسس الرابطة العليا للخريجين، وعيّن رئيساً لمكتب التعليم العالي، في محاولة لتوسيع شبكته داخل مؤسسات الدولة.
غير أن طموحاته تجاوزت حدود الدور الذي رسمه له شقيقه، ففي عام 1984، أثناء مرض شقيقه حافظ حاول رفعت تنفيذ انقلاب عسكري للسيطرة على الحكم، وبعد مواجهات محدودة، تم التوصل إلى تسوية سياسية أدت إلى نفيه إلى الخارج، ليبدأ بذلك عزله التدريجي عن المشهد السياسي السوري.
من النفي إلى الإثراء غير المشروع
مع مغادرته سوريا، حمل رفعت الأسد معه ثروة هائلة يُعتقد أنها جُمعت من ميزانيات “سرايا الدفاع” ومخصصات حكومية، إضافة إلى تعويضات مالية قدّمها له شقيقه حافظ مقابل التخلي عن أي طموحات سياسية مستقبلية، وخلال عقود من الإقامة في الخارج وخصوصاً في فرنسا، وإسبانيا، والمملكة المتحدة، وروسيا، حوّل تلك الأموال إلى إمبراطورية استثمارية واسعة.
اشتُهِر رفعت باستثماراته في العقارات الفاخرة، إذ يمتلك فندقاً من فئة خمس نجوم في إسبانيا، وقصراً فخماً على شارع الشانزليزيه في باريس، ومنزلاً في لندن تقدّر قيمته بنحو 10 ملايين جنيه إسترليني، كما دخل عالم الإعلام عبر تأسيس قناة ANN الفضائية التي يديرها أحد أبنائه، إلى جانب امتلاكه صحفاً ومجلات وإذاعات.
محاكمات دولية ومحاولات استرداد الأموال
ولاحقت رفعت تهم الفساد والاختلاس منذ مغادرته سوريا، وفي حزيران 2020، أصدرت محكمة فرنسية حكماً بسجنه أربع سنوات مع النفاذ، وصادَرت عقاراته في فرنسا بقيمة تقارب 100 مليون دولار، بعد إدانته بغسيل الأموال، واختلاس أموال عامة سورية، والاحتيال الضريبي.
وفي ال12 من كانون الثاني الجاري، أعلنت السلطات الفرنسية استعدادها لإعادة 32 مليون يورو من أصوله المصادرة إلى سوريا، بعد أن ثبت للقضاء الفرنسي أن هذه الأموال سرقت من خزائن الدولة السورية واستُخدمت لشراء عقارات فاخرة في فرنسا.
إرث دموي واقتصادي ملوّث
ويُنظر إلى رفعت اليوم بعد أن لفظته الحياة كرمز لمرحلة من أشد مراحل القمع والاستبداد في تاريخ سوريا الحديث، فهو لم يكتفِ بارتكاب جرائم ضد المدنيين، بل حوّل موارد الدولة إلى ثروة شخصية، مستغلاً منصبه وعلاقاته العائلية.
وبين مجزرتي تدمر وحماة، وبين قصور باريس وعقارات لندن، يبقى اسم رفعت الأسد مرتبطاً بوجهٍ قاسٍ من وجوه النظام البائد؛ وجهٌ جمع بين العنف المفرط، والفساد الممنهج، والإفلات من العقاب لعقود، حتى حين بدأت المحاكم الدولية تلاحقه، كان الشعب السوري قد دفع ثمناً باهظاً لا يمكن تعويضه.