دمشق-سانا
يشكل المرسوم الرئاسي رقم 13 لعام 2026، الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع مساء أمس الجمعة، خطوةً تاريخية تُنهي عقوداً من التهميش والإقصاء الذي طال السوريين الكرد، وتفتح صفحةً جديدةً تقوم على المواطنة الكاملة، والمساواة، والعدالة في سوريا ما بعد التحرير.
يؤكد المرسوم أن السوريين الكرد جزءٌ أصيلٌ من النسيج الوطني السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية تشكّل عنصراً لا يتجزأ من الهوية الوطنية الجامعة، المتعددة والمتكاملة.
ويأتي هذا المرسوم تتويجاً لمسار بدأته الدولة منذ اليوم الأول للتحرير، حين مدّت يدها إلى جميع مكونات الشعب السوري دون تمييز، واتخذت إجراءات عملية لمعالجة آثار السياسات البائدة التي شوّهت الروابط الاجتماعية، وفرّقت بين أبناء الوطن الواحد.
نهاية حقبة الإقصاء
على مدى أكثر من نصف قرن، عانى الكرد في سوريا سياسات تمييز منهجي، بدأت بشكل صارخ بعد إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، الذي أدّى إلى حرمان آلاف المواطنين من جنسيتهم، ومنعهم من ممارسة أبسط حقوقهم المدنية والسياسية.
وتفاقمت هذه السياسات بعد استيلاء حزب البعث المنحل على السلطة عام 1963، وخصوصاً بعد انقلاب المجرم حافظ الأسد عام 1970، لتُرسّخ حالة من الإقصاء القانوني والثقافي استمرت 54 عاماً.
ومع اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، شارك السوريون الكرد بفاعلية إلى جانب باقي شرائح المجتمع، لكن النظام البائد استغل بعض الأحزاب الانفصالية، وزوّدها بالسلاح والدعم، في محاولة لزرع الفتنة وتفتيت وحدة الشعب.
وبعد النصر والتحرير، عملت الدولة على تصحيح هذا المسار عبر دعوة المكون الكردي إلى الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة، وتمثّل ذلك عملياً في توقيع “اتفاق العاشر من آذار”، الذي شكّل محطة أولى في طريق إحقاق الحقوق وبناء سوريا جديدة لكل أبنائها.
معالجة قضية حساسة بنهج وطني
يُعدّ المرسوم رقم 13 معالجةً قانونيةً وسياسيةً رصينةً لإحدى أكثر القضايا حساسية في التاريخ السوري الحديث، فهو لا يكتفي بإعادة الحقوق المسلوبة، بل يعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها الكرد، من علاقة قائمة على الإقصاء إلى علاقة مبنية على المواطنة والشراكة.
ويحوّل المرسوم المسألة الكردية من سياق الصراع إلى إطار دستوري وقانوني يضمن المشاركة الفاعلة، دون المساس بوحدة الدولة أو سلامتها الإقليمية، كما يؤكد أن تحقيق مطالب بعض الشرائح لا يعني تفكيك الدولة، بل يعزز وحدتها من خلال بناء مواطنة متساوية، واحترام التنوع الثقافي، واعتماد مبدأ التشاركية في الحكم ضمن دولة مركزية واحدة.
نصوص جوهرية تُعيد الاعتبار
ينص المرسوم على التزام الدولة بحماية التنوع الثقافي واللغوي، وضمان حق المواطنين الكرد في إحياء تراثهم، وتنمية فنونهم، وتطوير لغتهم الأم في إطار السيادة الوطنية، واعتبار اللغة الكردية لغة وطنية، والسماح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق ذات الكثافة الكردية، سواء كمادة اختيارية أو كنشاط ثقافي تعليمي.
كما يلغي المرسوم جميع القوانين والتدابير الاستثنائية الناتجة عن إحصاء 1962 في محافظة الحسكة، ويمنح الجنسية السورية للمواطنين من أصول كردية المقيمين على الأراضي السورية، بمن فيهم مكتومو القيد، مع ضمان المساواة التامة في الحقوق والواجبات، ويعتبر “عيد النوروز” (21 آذار) عطلة رسمية مدفوعة الأجر في جميع أنحاء الجمهورية العربية السورية، تقديراً لرمزيته الوطنية كتعبير عن الربيع، والتآخي.
دعوة إلى الوحدة والمشاركة
وفي كلمةٍ ألقاها عقب إصدار المرسوم، وجّه الرئيس أحمد الشرع نداءً إلى أهلنا الكرد، دعاهم فيه إلى عدم الانسياق وراء روايات الفتنة، والعودة الآمنة للمشاركة الكاملة في بناء وطن واحد يتسع للجميع، وأكد أن مستقبل سوريا يُبنى بالتعاون والتآخي، لا بالانقسام والانعزال.
وبهذا يُرسّخ المرسوم رقم 13 لعام 2026 المسار الذي اعتمدته الدولة بعد التحرير، ويقدّم نموذجاً وطنياً رائداً في التعامل مع التنوّع، لا على أساس الهوية الفرعية، بل على قاعدة المواطنة الجامعة، والعدل، والعيش المشترك، وهو يضع الأسس لسوريا موحّدة، قوية، تحترم كل مكوناتها، وتصون وحدتها وسيادتها وسلامة أراضيها.