دمشق-سانا
بين الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية، والحرب الروسية الأوكرانية، يسيطر النفط على المشهد ليكون أداة تحرك الصراع وتحدد مساراته رغم تبدل الجغرافيا والأطراف المتصارعة.
تصعيد جديد.. ومخاوف من تراجع حركة الملاحة في مضيق هرمز
وخلال الأيام الثلاثة الماضية شهد مضيق هرمز توترات جديدة، بعدما أعلنت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية يوم أمس تعرض ناقلة في مضيق هرمز للاستهداف بمقذوف مجهول، ما أدى إلى أضرار في غرفة القيادة.
ويأتي ذلك بعد ساعات من الاتهامات الأمريكية لإيران باستهداف سفينة شحن أخرى، وما رافقه من رد استهدف عدداً من المواقع الإيرانية من أجل حماية الملاحة الدولية، والرد على ما وصفته واشنطن بـ “العدوان على الشحن التجاري”، حسب ما نقلت رويترز.
وفي المقابل ردت طهران على القصف الأمريكي باستهداف كل من الكويت والبحرين بعدد من الصواريخ والطائرات المسيّرة، وسط مخاوف من انزلاق المنطقة إلى تصعيد أكبر يعيد إلى الواجهة عرقلة حركة الملاحة في المضيق، وما ينتج عنها من تعطل إمدادات الطاقة.
ورغم تسجيل تحسن نسبي في حركة الملاحة منذ منتصف الشهر الجاري، حيث سُجلت نحو 70 عملية عبور يوم الأربعاء الماضي مقارنة بنحو 125 عبوراً في فترات السلم وفق بيانات “كبلر”، عادت الأوضاع للتراجع بعد استهداف سفينة تديرها شركة تايوانية، ما دفع المنظمة البحرية الدولية إلى تعليق برنامجها الطوعي لإجلاء السفن العالقة.
وأظهرت بيانات الملاحة أن المضيق شهد خلال الفترة الأخيرة عبوراً يقارب 9 ملايين برميل يومياً، ارتفاعاً من نحو 3 ملايين قبل توقيع مذكرة التفاهم.
اتفاق أمريكي – إيراني يعيد الجدل حول حرية الملاحة ورسوم العبور في الخليج
وتتمسك طهران بموقفها القاضي بتولي إدارة مضيق هرمز وفرض رسوم على عبور السفن، رغم الرفض الأمريكي الواضح، وهو ما أكده كبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف عقب محادثاته مع واشنطن في سويسرا، معتبراً أن تدخل أي طرف في إدارة حركة الملاحة في المضيق سيؤدي إلى تعقيدها.
وفي المقابل كثفت دول خليجية عدة مساعيها لوضع حد للتمدد الإيراني في المضيق، حيث أجرى رئيس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني يوم الأربعاء الماضي زيارة إلى مسقط، بحث خلالها التمهيد لمحادثات بين دول الخليج والعراق وإيران بشأن مضيق هرمز، وفق ما أفاد دبلوماسي مطلع لوكالة فرانس برس.
وتلا ذلك بيان لوزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي خلال زيارة وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إلى الخليج، أكدوا فيه أهمية إعادة فتح مضيق هرمز، وأن حرية الملاحة غير المشروطة وغير المقيدة، بما في ذلك حق المرور العابر المكفول بموجب القانون الدولي، تظل أمراً جوهرياً للأمن الإقليمي والعالمي، معربين عن رفضهم فرض أي رسوم أو ضرائب أو محاولات لفرض السيطرة على المضيق.
النفط ورقة تحكم السلم والحرب
وبعد حصار فرضته الولايات المتحدة الأمريكية على السواحل الإيرانية ووصول النفط الإيراني إلى حالة من الموت السريري، أعلنت تعليق عقوباتها على النفط الإيراني لمدة شهرين، عقب جولة محادثات وُصفت بأنها “أرست أساساً جيداً” لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.
كما صرحت وزارة الخزانة الأمريكية على موقعها، بالسماح بتداول جميع التعاملات التي كانت “محظورة” سابقاً فيما يتعلق بإنتاج وبيع ونقل المحروقات الإيرانية حتى الـ 21 من آب القادم، وأتى ذلك بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار الذي انعكس إيجاباً على سعر النفط الذي انخفض بنسبة 3 % عقب توقيع الاتفاق.
الحرب الروسية الأوكرانية.. من المواجهات المباشرة إلى استهداف محطات الطاقة
وبعيداً عن الشرق الأوسط، شهد النصف الأول من عام 2026 تحولاً استراتيجياً لافتاً في مسار الصراع الروسي الأوكراني، حيث انتقلت مركزية المواجهات من خطوط التماس المباشرة إلى استهداف مكثف ومتبادل للبنية التحتية للطاقة والنفط في عمق كلا البلدين.
ورصدت تقارير استهداف نحو 40 موقعاً حيوياً ممتداً من رقعة خليج فنلندا وبحر البلطيق شمالاً، وصولاً إلى شواطئ البحر الأسود وبحر آزوف جنوباً، وسط مؤشرات إلى أن بنك الأهداف تركز بشكل أساسي على مصافي تكرير النفط، وخزانات الوقود الضخمة، ومحطات الضخ المركزية، إضافة إلى موانئ التصدير الاستراتيجية.
وفي السياق، أقرت موسكو للمرة الأولى مطلع حزيران الجاري بتأثر قطاع الطاقة لديها، حيث صرح نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك خلال منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي، بأن إنتاج روسيا من النفط سجل تراجعاً ملحوظاً منذ بداية العام الجاري مقارنة بمستوياته السابقة.
وبين توتر واتفاق، تبقى ورقة النفط أداةً تحكم المشهد بين أطراف الصراع، لتصبح لغة التهديد المستمرة، ففي حين تتعمد واشنطن خنق إيران نفطياً، تتخذ الأخيرة من إغلاق الممر الأهم عالمياً وسيلة لفرض شروطها على طاولة التفاوض، ليبقى السؤال عن مدى جدية التفاهمات في فرض نفسها أم أنها ستبقى رهينة الورق.