دمشق-سانا
كشفت تداعيات الصراع في الشرق الأوسط عن مفارقة متصاعدة في أسواق الطاقة العالمية، إذ دفعت أزمة الأسعار المرتفعة الدول إلى البحث عن مصادر بديلة، بينما عطلت الظروف ذاتها الاستثمار في هذه البدائل بسبب ارتفاع كلف التمويل وتزايد عدم اليقين في الأسواق.
وزادت أهمية هذه المفارقة مع استمرار الاضطراب في الإمدادات عبر الممرات الحيوية، وفي مقدمتها مضيق هرمز، الذي تمر عبره حصة مؤثرة من تجارة النفط والغاز العالمية، ما أعاد إلى الواجهة أسئلة أمن الطاقة وأولويات الحكومات بين الاستجابة الفورية والتخطيط طويل الأمد.
أسعار مرتفعة تعيق التحول الأخضر
وصف لوكا مورو، كبير مسؤولي الاستثمار في صندوق التحول الطاقي SpesX في تحليل نشرته رويترز في 26 آذار الماضي، الوضع الحالي بأنه “مفارقة في مجال الطاقة المتجددة”، موضحاً أن ارتفاع أسعار الطاقة يرفع أرباح الشركات العاملة في القطاع، لكن ارتفاع تكاليف رأس المال والتضخم “يقوض اقتصاديات المشاريع” ويجعلها أقل جاذبية للمستثمرين.
وأشارت التقديرات المالية إلى أن الأسواق تتوقع زيادتين إلى ثلاث زيادات في أسعار الفائدة من البنك المركزي الأوروبي، وزيادتين من بنك إنكلترا خلال العام الجاري، وهو ما يفرض ضغوطاً إضافية على تمويل مشاريع الطاقة النظيفة.
أسوأ من صدمات السبعينيات
وأكد فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، أن الأزمة الحالية “أسوأ من أزمتي النفط في السبعينيات وفقدان الغاز الروسي في 2022 مجتمعتين”، مشيراً إلى أن إجمالي خسائر الإمدادات العالمية بلغ نحو 12 مليون برميل يومياً، مقارنة بنحو 5 ملايين برميل يومياً خلال كل من أزمتي 1973 و1979.
وأوضح بيرول أن إطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطيات النفطية الطارئة “يساعد فقط في تقليل الألم، لكنه لن يعالج المشكلة”، مضيفاً إن العلاج الحقيقي يتمثل في إعادة فتح مضيق هرمز.
آسيا تعيد حساباتها
دفعت أزمة الإمدادات في آسيا دولاً عدة إلى إعادة النظر في خياراتها الطاقية، ولا سيما في الدول التي تعتمد بدرجات كبيرة على واردات النفط والغاز من الشرق الأوسط.
وأعلنت ألفي أسونسيون-أسترونومو من المعهد الفلبيني للأبحاث النووية، في 26 آذار الماضي، أن “ارتفاع أسعار النفط الخام الناجم عن التصعيد عزز الدافع لتسريع الجهود النووية”، مضيفة إن الطاقة النووية “تمنحنا اعتماداً أكبر على الذات من حيث الطاقة”.
كما دفعت المخاوف المتزايدة بشأن أمن الطاقة في فيتنام إلى إبرام اتفاقية للطاقة النووية مع روسيا هذا الأسبوع، فيما تسابق بنغلاديش الزمن لتشغيل محطتها النووية الجديدة، وأعادت ماليزيا إحياء برنامجها النووي مع تحديد عام 2031 موعداً مستهدفاً لتشغيل أول مفاعل.
إعادة هيكلة الطاقة تتسارع
وحذر جوناثان واغورن، مدير الصندوق في غينيس، في 26 آذار الماضي، من أن مدة الصراع في إيران ستكون “حاسمة” في تحديد مستقبل السوق، موضحاً أن استمرار الأزمة لفترة طويلة سيعزز الحافز لتطوير إمدادات الطاقة المتجددة، لكن ارتفاع أسعار الفائدة يشكل عقبة كبيرة.
وكشفت أبحاث وود ماكنزي أن ارتفاع أسعار الفائدة بنسبة 2 بالمئة قد يزيد التكلفة الإجمالية لإنتاج الكهرباء من مشاريع الطاقة المتجددة الجديدة بنسبة 20 بالمئة.
واعتبر مركز أبحاث الطاقة Ember أن “إعادة الهيكلة لنظام الطاقة تكتسب إلحاحاً” لحماية الدول الآسيوية من اضطرابات تجارة النفط والغاز المتكررة، محذراً من أن استمرار الاعتماد على الوقود الأحفوري قد يحول أزمة إمدادات مؤقتة إلى “ركود اقتصادي طويل الأمد”.
وأشار التقرير إلى أن الاعتماد على الوقود الأحفوري يجعل الدول “تنزف ما لا يقل عن 3 بالمئة من ناتجها المحلي الإجمالي كل عام” لاستيراد النفط، وأن حلول “التكنولوجيا الكهربائية” يمكن أن تقلل الواردات بنسبة تصل إلى 70 بالمئة.
وتشير المعطيات إلى أن الصدمة الحالية قد تسرع تحولات هيكلية في أسواق الطاقة العالمية، من بينها تقليص الاعتماد على النفط والغاز المستورد، وتراجع الطلب على الغاز الطبيعي المسال في آسيا، وتقدم ذروة الطلب على النفط إلى موعد أبكر مما كان متوقعاً.