دمشق-سانا
تشهد التغطيات الحربية في السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً مع تصاعد تأثير المحتوى الرقمي في تشكيل الرواية الميدانية، ولا سيما مع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، التي جعلت الفيديوهات المتداولة من مناطق النزاع عاملاً محورياً في فهم الأحداث، وفي الوقت ذاته تحدياً مهنياً بالغ التعقيد، مع قدرة هذه التقنيات على إنتاج مشاهد يصعب التمييز بينها وبين الواقع.
ومع اشتداد النزاعات، وخصوصاً في منطقة الشرق الأوسط، ارتفع منسوب المحتوى المضلل بشكل غير مسبوق، بعدما تحولت ساحات القتال إلى بيئة خصبة لانتشار المقاطع المفبركة والمحتوى المصطنع، ما دفع المؤسسات الإعلامية إلى تطوير أدواتها وأساليبها لمواجهة موجة التضليل المتنامية.
تضليل أكثر تعقيداً وخبرة مهنية مطلوبة
وفي هذا الشأن توضح خبيرة تدقيق المعلومات في وكالة فرانس برس جويس حنّا، أن تقنيات التوليد الرقمي باتت تنتج مشاهد عالية الدقة يصعب كشفها بالطرق التقليدية، ما يضاعف صعوبة التحقق من المواد الواردة من مناطق الصراع.
وتشير حنّا لجريدة النهار، إلى أن المؤشرات البصرية المعتادة لم تعد كافية، مؤكدة ضرورة اعتماد منهجيات تحقق دقيقة تشمل تحديد مصدر المقطع وفحص تفاصيله التقنية، ومحذّرة من الاعتماد الكامل على أدوات الذكاء الاصطناعي لاحتمال وقوعها في أخطاء، ولافتة إلى أن سلوك المستخدمين وتسارعهم في مشاركة المحتوى يسهمان في انتشار التضليل على نطاق واسع.
علامات خفية… لكنها غير حاسمة
ورغم التطور الكبير في أدوات التزييف، لا تزال بعض العلامات الخفية تساعد في كشف المقاطع المصطنعة، مثل غياب التناسق داخل المشهد، أو المبالغة في الأحداث، أو تحرك عناصر بطريقة غير منطقية، إضافة إلى التشوهات البصرية أو الضبابية غير المبررة.
وتشير تقارير وحدة التحقق الرقمي في هيئة الإذاعة البريطانية، إلى أن هذه المؤشرات لم تعد كافية وحدها، إذ قد تظهر أحياناً في مقاطع حقيقية نتيجة ظروف التصوير الميداني، ما يستدعي اعتماد مقاربة تحقق متعددة المستويات، تشمل: التحليل البصري، والبحث العكسي، وتحديد الموقع الجغرافي، ومقارنة المشاهد مع مصادر مستقلة.
وتبرز في هذا السياق أدوات مثل عدسة غوغل للتعرّف على الصور، وأداة InVID لتحليل الفيديوهات، للكشف عن المقاطع المعاد تدويرها أو المفبركة، كما يشمل التحقق تحديد الموقع الجغرافي عبر مقارنة المشاهد مع الخرائط وصور الأقمار الصناعية، وتحليل التوقيت من خلال الإضاءة والطقس وملابس الأشخاص، إضافة إلى مطابقة الصوت مع الصورة ورصد نمط انتشار المقطع للكشف عن الحملات المنسقة.
الوعي خط الدفاع الأول
وأمام القدرة المتنامية على إنتاج محتوى رقمي قادر على صناعة واقع افتراضي موازٍ، أصبح التحقق من الفيديوهات ضرورة مهنية لا يمكن تجاوزها، وخصوصاً في التغطيات الحربية التي تطورت فيها أدوات وأساليب التدقيق، لتشكّل منظومة مواجهة أكثر فعالية تجمع بين التكنولوجيا والخبرة البشرية.
وفي زمن تتداخل فيه الحقيقة مع الاصطناع، تظل القاعدة الأساسية ثابتة وتتمثل بأن المصداقية لا تُمنح للمشهد بمجرد ظهوره، بل تُكتسب عبر التحقق الدقيق من مصدره وتفاصيله قبل اعتماده ونشره، بما يضمن حماية الجمهور من التضليل وصون دور الإعلام في نقل الحقيقة.